اليوم الحادي والعشرون للحرب على إيران.. قوة عسكرية تنتظر صافرة السياسة
نشر بتاريخ: 2026/03/21 (آخر تحديث: 2026/03/21 الساعة: 18:51)

مع دخول الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران يومها الحادي والعشرين، تتكشف تدريجياً صورة أكثر تعقيداً من تلك التي تحاول الخطابات الرسمية في إسرائيل تقديمها. فبينما يواصل سلاح الجو الإسرائيلي ضرباته المكثفة في وسط وغرب إيران، مستهدفاً منصات إطلاق الصواريخ ومخازنها ومنشآت إنتاجها وقواعد عسكرية، تشير القراءات الإسرائيلية إلى أن الحرب دخلت عملياً مرحلة استنزاف طويلة، حيث تتراكم الإنجازات العسكرية دون أن تتحول بالضرورة إلى حسم استراتيجي واضح

وفق المعطيات الإسرائيلية، أدت الضربات المتواصلة إلى إضعاف جزء مهم من القدرات الصاروخية الإيرانية في غرب البلاد، الأمر الذي دفع إيران إلى نقل عمليات الإطلاق تدريجياً نحو الشرق. وفي موازاة ذلك، تستمر العمليات الاستخبارية والاغتيالات التي تستهدف شخصيات مرتبطة بالأجهزة الأمنية الإيرانية، في محاولة لتعزيز صورة التفوق الاستخباري الإسرائيلي.

لكن رغم هذا الضغط العسكري، لا تزال إيران تحافظ على قدرة محدودة لكنها ثابتة على إطلاق الصواريخ. فعدد الصواريخ التي تُطلق يومياً لا يزال منخفضاً نسبياً، وغالباً ما يتم إطلاقها في رشقات صغيرة، أحياناً بصاروخ واحد أو اثنين، وأحياناً في سلاسل قصيرة بفواصل زمنية محدودة. هذا النمط من الإطلاق يسمح لإيران بإبقاء الجبهة الإسرائيلية تحت الضغط دون استنزاف سريع لمخزونها الصاروخي.

وفي الأيام الأخيرة برز تركيز واضح على استهداف القدس، حيث سقطت عدة صواريخ في المدينة بما في ذلك في محيط البلدة القديمة. وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن استهداف المدينة كان متوقعاً منذ ما قبل اندلاع الحرب، باعتبارها هدفاً ذا قيمة رمزية وسياسية في أي مواجهة واسعة.

في الوقت نفسه، يواصل الأميركيون توسيع نطاق عملياتهم العسكرية ضد البنية التحتية الصاروخية الإيرانية والصناعات العسكرية، مع تركيز خاص على المناطق الساحلية والموانئ الرئيسية. كما يجري تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة عبر إرسال وحدات إضافية من مشاة البحرية، في مؤشر على استعداد واشنطن لاحتمالات تصعيد أوسع.

غير أن الحرب لم تبق محصورة داخل إيران. فالمواجهة تتسع تدريجياً عبر الإقليم. ففي العراق تستمر الهجمات المتبادلة بين الميليشيات والقوات الأميركية، بينما يواصل الحوثيون تهديداتهم الصاروخية. أما في لبنان، فتواصل إسرائيل ضرباتها الجوية ضد مواقع حزب الله، مع توسيع تدريجي للعمليات البرية في القرى الحدودية جنوب نهر الليطاني بهدف السيطرة على الخطوط الأمامية وتدمير البنية العسكرية فيها.

ورغم اتساع رقعة المواجهة، فإن النقاش داخل إسرائيل يعكس إدراكاً متزايداً بأن الضربات العسكرية، مهما كانت مكثفة، لا تكفي وحدها لإنهاء الحرب. فالتجارب السابقة في المنطقة تشير إلى أن التفوق العسكري قادر على إلحاق ضرر كبير بالخصم، لكنه لا يضمن بالضرورة نهاية الصراع. يمكن للحرب أن تستمر بوتيرة منخفضة، عبر إطلاق محدود للصواريخ أو عبر جبهات متعددة، بما يكفي لإبقاء التوتر قائماً.

لكن العامل الأكثر غموضاً في هذه الحرب لا يتعلق بإيران أو إسرائيل بقدر ما يتعلق بالولايات المتحدة. فالموقف الأميركي، وخصوصاً تصريحات الرئيس دونالد ترامب، يبدو متناقضاً ومتقلباً. ففي يوم يلمح إلى أن الحرب تقترب من نهايتها وأن الأهداف تحققت، وفي يوم آخر يتحدث كما لو أن المواجهة لم تبدأ بعد وأن الضربات قد تتوسع.

هذا التذبذب يعكس حقيقة أساسية: أن مفتاح نهاية الحرب لا يوجد فقط في سماء إيران أو على حدود لبنان، بل في القرار السياسي الأميركي. فواشنطن هي الطرف القادر عملياً على إطلاق صافرة النهاية، وتحديد اللحظة التي تعتبر فيها أن الأهداف السياسية والاستراتيجية قد تحققت.

حتى ذلك الحين، يبدو أن الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على مبدأ واضح: الاستمرار في توسيع الضربات وتدمير أكبر قدر ممكن من الأهداف العسكرية قبل أن تُطلق تلك الصافرة. فكل هدف يُدمَّر الآن قد يغيّر شروط أي وقف محتمل لإطلاق النار لاحقاً.

وهكذا، تبدو الحرب وكأنها تسير في مسارين متوازيين: مسار عسكري يتواصل بلا توقف، ومسار سياسي ينتظر لحظة القرار. أما السؤال الذي يظل مفتوحاً فهو ليس فقط كيف ستنتهي هذه الحرب، بل متى سيقرر البيت الأبيض أن الوقت قد حان لإنهائها.