الكذب الدولي… سحرٌ يدقّ طبول الحرب ويُشعل فتيلها في الشرق الأوسط
نشر بتاريخ: 2026/03/13 (آخر تحديث: 2026/03/13 الساعة: 18:55)

في لحظةٍ سياسية تعيد إلى الأذهان ذاكرة الحروب التي بُنيت على رواياتٍ متناقضة، خرج السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز منتقدًا تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشأن ضرورة مهاجمة إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي، متسائلًا بوضوح:

«أليس هذا نفس الرئيس الذي قال في يونيو إن منشآت إيران النووية قد دُمّرت بالكامل؟».

سؤالٌ بسيط في صياغته، عاصفٌ في مضمونه.

فإذا كانت المنشآت قد دُمّرت «بالكامل»، فلماذا يعود شبحها ليُبرّر تهديدًا جديدًا؟ وهل نحن أمام تناقضٍ سياسي عابر، أم أمام صناعة خوفٍ تُستدعى كلما احتاجت القوى الكبرى إلى عدوٍّ جديد؟

ليست هذه المرة الأولى التي تُصاغ فيها الحروب على إيقاع روايةٍ جاهزة. من حرب فيتنام إلى غزو العراق عام 2003، رُفعت رايات «الأمن القومي» و«التهديد الداهم»، ثم تبيّن لاحقًا أن كثيرًا من السرديات لم تكن بالحسم الذي قُدّمت به. وهكذا تتكرّر الحكاية: كذبةٌ أخرى تُمهّد لحربٍ جديدة.

لكن جوهر المسألة أعمق من سجالٍ سياسي.

إنه سؤال العدالة في ميزان القوة.

العالم لا يحتجّ حين تمتلك الولايات المتحدة وروسيا وكوريا الشمالية ترساناتٍ نووية قادرة على محو مدنٍ كاملة. يُقال إن ذلك جزءٌ من «توازن الردع».

غير أن المشهد ينقلب حين تُفكّر دولةٌ في الشرق الأوسط في تطوير برنامجٍ نووي. هنا تبدأ العقوبات، ويُفتح باب العزلة، وتعلو طبول الحرب.

المفارقة ليست في السلاح ذاته، بل في هوية من يحمله.

ففي قاموس السياسة الدولية، يبدو أن السلاح النووي للأسياد ضمانة استقرار، أما إذا اقترب منه غيرهم فهو تهديدٌ وجوديٌّ للعالم بأسره.

وهكذا يُراد للعالم أن يُدار:

سلاحٌ نوويٌّ للأسياد…

والصمتُ، بل الموتُ السياسي وربما العسكري، للرعاة.

ليست القضية دفاعًا عن سباق تسلّح، ولا تبريرًا لانتشار أخطر سلاح عرفته البشرية، بل مساءلةٌ لمنطقٍ يُقسّم العالم إلى طبقتين: طبقةٍ تحتكر القوة وتمنح نفسها شرعية الردع، وأخرى يُطلب منها الاكتفاء بدور المتفرّج، حتى وإن كانت هي من يدفع ثمن الصراعات.

في كل مرة يُعاد فيها إحياء الخوف، يُعاد معها إحياء السوق ذاته: سوق السلاح، وسوق التحالفات، وسوق الدم.

ويبقى السؤال معلّقًا:

هل سنشهد يومًا نظامًا دوليًا بميزانٍ واحد؟

أم سنظل ندور في حلقة الكذب الدولي… حيث تُقرع الطبول أولًا، ثم تُكتب المبررات لاحقًا؟

التاريخ لا ينسى، لكنه كثيرًا ما يُستعاد بطريقةٍ تخدم الأقوياء.

أما الشعوب، فهي وحدها من تدفع الثمن… كلَّ مرة.