في الشرق الأوسط، حيث تتشابك الحروب مع المصالح الدولية، تحولت القواعد العسكرية الأمريكية إلى معادلة معقدة: عنوانها المعلن حماية الأمن والاستقرار، لكن نتائجها في كثير من الأحيان كانت استدعاء التوتر ورفع منسوب المخاطر في المنطقة.
منذ حرب العراق وما تبعها من اضطرابات سياسية وأمنية، لم تعد تلك القواعد مجرد منشآت عسكرية عادية، بل أصبحت جزءاً من معادلة سياسية حساسة، تُحرج بعض الدول أمام شعوبها، وتضعها في دائرة الاستهداف كلما اشتعلت مواجهة أو تصاعدت أزمة في الإقليم.
والأكثر إثارة للتأمل أن هذه القواعد تكلف الولايات المتحدة مليارات الدولارات سنوياً. مليارات تُنفق على التشغيل والصيانة والحماية والتموين، وقد تصل أرقامها إلى حدود خيالية، بينما العالم يعيش أزمات اقتصادية وإنسانية متلاحقة، وتئن شعوب كثيرة تحت وطأة الفقر والحروب.
ومن هنا، تبرز فكرة تبدو في ظاهرها ساخرة، لكنها تحمل في جوهرها رسالة سياسية عميقة.
اقتراح بسيط إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب:
لماذا لا تنشئ حصّالة كبيرة، وتبيع القواعد الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، وتضع عائداتها في تلك الحصّالة؟
الفكرة مغرية من كل الاتجاهات.
ستجمع مليارات الدولارات، وتوفر مليارات أخرى من تكاليف التشغيل والصيانة، وتخفف عبء التوتر عن المنطقة، كما ستجنب كثيراً من الحكومات العربية حرج وجود قواعد أجنبية على أراضيها أمام شعوبها.
وحتى لو بِيعت هذه القواعد خردةً أو سكب حديد، فإنها ستجلب أموالاً طائلة. وربما — من باب المفارقة السياسية — سيجد من يشتريها في المنطقة نفسها بأضعاف ثمنها، فبعض الدول قد تدفع الكثير مقابل ما تظنه ضمانة للأمن أو جزءاً من معادلة التوازن.
وهكذا تتحول القواعد من مصدر دائم للتوتر إلى حصّالة مالية، وربما إلى حصّالة سلام.
وعندها يمكن للعالم — على سبيل المفارقة الساخرة — أن يفكر في منح ترامب جائزة نوبل للسلام، لأنه اختار أن يحقن دماء الأطفال بدلاً من الاستثمار في حروب لا تنتهي، ولأنه استبدل هدير الطائرات بأصوات العقل والحكمة.
والأهم من ذلك أن الإنسان، مهما بلغ من قوة أو نفوذ، يبقى أمام التاريخ مجرد عابر طريق.
التاريخ يروي لنا قصص النمرود وقارون وفرعون، أولئك الذين ظنوا أن ملكهم لا يزول، وأن قوتهم لا تُهزم. لكنهم في النهاية تركوا كل شيء خلفهم، ودفنوا تحت التراب في قبور موحشة، بعد أن أدرك العالم أن القوة المجردة لا تصنع خلوداً، وأن الهيمنة لا تبني مجداً دائماً.
وفي ثقافتنا العربية والإسلامية قيمة عظيمة اسمها الجار. فقد أوصى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالجار حتى ظن الصحابة أنه سيورّثه. فكيف يستقيم منطق الجيرة في عالم تمتلئ أرضه بالقواعد العسكرية التي تجعل الجيران يعيشون في توتر دائم وخوف مستمر؟
إن تفكيك تلك القواعد لن يكون مجرد خطوة سياسية، بل سيكون قراراً أخلاقياً أيضاً؛ قراراً يخفف من احتمالات الحروب المجنونة، ويمنح الشرق الأوسط فرصة لالتقاط أنفاسه بعيداً عن صخب الصواريخ وضجيج الطائرات.
بل إن العالم قد يمنح ترامب، على سبيل التكريم الرمزي، لقباً فخرياً: "سيد السلام"، إذا اختار أن يحوّل الحديد إلى فرصة للسلام بدلاً من تحويله إلى وقود للحروب.
أما نحن، أصحاب هذا الاقتراح، فلا نطلب الكثير.
فقط 2.5% من عائدات تفكيك تلك القواعد — على سبيل "زكاة مال" — تُخصص لمشاريع إنسانية تساعد ضحايا الحروب وتعيد شيئاً من التوازن إلى عالم أنهكته الصراعات.
عندها فقط يمكن أن تتحول القواعد العسكرية من مصانع للقلق والخوف إلى خردة حديد… وصناعة سلام.
وهكذا تختصر الحكاية:
إما أن تبقى القواعد العسكرية شاهدة على زمن الهيمنة والحروب،
أو تتحول إلى حديد في حصّالة…
ويصبح السلام الاستثمار الأذكى في تاريخ البشرية.