حرب أمريكا وإسرائيل على إيران… وهل يُدفع الشرق الأوسط نحو حربٍ عالمية ثالثة؟
نشر بتاريخ: 2026/03/05 (آخر تحديث: 2026/03/05 الساعة: 19:29)

ليست الحروب مجرّد صواريخ تُطلق، ولا بوارج تُبحر، ولا حاملات طائرات تُرابط على تخوم البحار. الحروب، قبل ذلك وبعده، قرارٌ سياسيٌّ ممهورٌ بالخوف أو بالطمع أو بوهم الهيمنة.

والسؤال الذي يطرق أبواب الضمير العالمي اليوم: هل ستبقى المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في حدود الرسائل النارية المتبادلة؟ أم أنّ الشرق الأوسط يُساق، مرةً أخرى، ليكون مسرحاً لحربٍ كبرى قد تتدحرج إلى ما يشبه حرباً عالمية ثالثة؟

بوارج، وحاملات طائرات، وغواصات نووية، وصواريخ عابرة للقارات… مشهدٌ عسكريٌّ يُذكّر العالم بأنّ القوة، حين تنفلت من عقال الحكمة، تتحول إلى استعراضٍ مرعب. في “حفلة الحرب” هذه، تُسجَّل الخسائر بالأرقام: إمكانات مادية تُستنزف، وبُنى تحتية تُدمَّر، وأرواح نساءٍ وأطفالٍ وشيوخٍ تُزهق في كل الأطراف. أمّا الخسارة المعنوية فهي الأعمق: انكسار الثقة بالقانون الدولي، وتآكل صورة العدالة العالمية.

لسنا أمام أزمة عابرة، بل أمام تراجيديا سياسية كبرى تُكتب فصولها بدم الأبرياء، ويظنّ صُنّاع القرار أنهم يتحكمون بمسارها، فيما التاريخ وحده يحتفظ بحق النهاية. إنها تراجيديا حديثة أبطالها دول، وضحاياها شعوب، ومسرحها المفتوح هو الشرق الأوسط بكل جراحه القديمة والجديدة.

ولعلّ أخطر ما في المشهد ليس حجم الترسانة، بل حسابات الردع المتبادلة. فإيران تعتمد على شبكة تحالفات إقليمية وأذرع عسكرية خارج حدودها، فيما تستند الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تفوقٍ تقني واستخباري وتحالفاتٍ عابرة للقارات. أيُّ خطأ في التقدير، أو ضربة محسوبة بشكلٍ خاطئ، قد يفتح أبواب تصعيدٍ متسلسل يصعب احتواؤه. كما أنّ ممرات الطاقة في الخليج، وحركة التجارة العالمية، وأسواق النفط والغاز، ستجعل أي مواجهة واسعة أزمةً اقتصادية عالمية، لا نزاعاً إقليمياً فحسب.

تعيش الولايات المتحدة بعيدةً جغرافياً عن ساحات النار، محاطةً بقارّتها الآمنة نسبياً. لكن هل يضمن البُعد الجغرافي الحصانة من ارتدادات الغضب؟ التاريخ يُعلّمنا أن نار الحروب، وإن اشتعلت في أرضٍ بعيدة، فإنّ دخانها يعبر المحيطات. الشعوب التي أحرقتها الحروب لا تنسى بسهولة، والارتدادات – سياسيةً كانت أم اقتصادية – تبقى احتمالاً قائماً.

في نهاية المطاف، ما نتائج أي حرب؟ هل تُقاس بالخرائط التي يُعاد رسمها، أم بعدد المصانع العسكرية التي ازدهرت؟ أين الدبلوماسية التي تُفكك الأزمات دون قوةٍ مفرطة؟ أليست السياسة وُجدت لتجنيب الشعوب ويلات المدافع؟ أم أنّ الأطماع الاقتصادية، وممرات الطاقة، وأسواق السلاح، باتت السيدة المتوَّجة على عرش القرار الدولي؟

أهي جاهلية سياسية جديدة، ترتدي بدلةً رسمية وربطة عنق، لكنها تُخفي في جيبها صاعق التفجير؟ وللسخرية المُرّة قد يقول قائل: إن كان لا بد من الهيمنة، فلتضمّ القوى الكبرى دول الشرق الأوسط وتحوّلها ولاياتٍ تابعة، ولتُجنّس شعوبها، وتحمل الجمل بما حمل، وتوقف نزيف الدم. غير أنّ هذه السخرية تكشف حقيقةً موجعة: شعوب المنطقة تُعامَل أحياناً كأرقامٍ في تقارير، لا كبشرٍ لهم حق الحياة والكرامة.

ماذا يختلف الطفل الأمريكي عن الفلسطيني، أو الروسي، أو الإماراتي، أو الصيني، أو السعودي، أو الفرنسي، أو القطري، أو البريطاني، أو الإسرائيلي، أو الألماني؟ أيُّ دمٍ هذا الذي يُصنَّف وفق الجغرافيا؟ وأيُّ عدالةٍ هذه التي تُجزّئ الإنسانية؟ نحن – كما تروي الكتب السماوية والتاريخ الإنساني – أبناء أبٍ وأمٍّ واحدة، والعار كل العار أن تتحول السياسة إلى أداة تفريقٍ بين إخوة الكوكب الواحد.

إنّ الدعوة هنا ليست اصطفافاً مع محورٍ ضد آخر، بل نداءٌ إلى ضميرٍ دوليٍّ غائب: كفّوا عن تحويل العالم إلى غابةٍ مسعورة. بل إنّ الغابة أرحم أحياناً؛ فالحيوانات لا تقتل إلا لتعيش، بينما تُخاض الحروب الحديثة لإثبات الهيبة أو فرض الإرادة.

وإلى القوى الكبرى الصاعدة، من روسيا والصين وغيرهما: إنّ من يكتفي بدور المتفرّج اليوم، قد يجد نفسه غداً على خشبة المسرح ذاته. الزمن دوّار، والنار تعشق الحطب، ومن يؤجّجها بسياسةٍ ثعلبية قد يكون وقودها القادم.

ويبدو أنّ مقولة "أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض" حاضرةٌ في كلّ مقالٍ سياسيٍّ معاصر، وإن لم تُذكر صراحة. فالصمت على ابتلاع دولةٍ اليوم، بذريعة المصالح أو الحسابات الباردة، قد يكون تمهيداً لابتلاع أخرى غداً. التفكك يبدأ بالتبرير، والخذلان يبدأ بالحياد المريح، وحين يُستباح طرفٌ ولا يجد نصيراً، فإنّ الرسالة لا تتوقف عند حدوده. السياسة التي تُدار بمنطق الانتقاء الأخلاقي لا تُنتج أمناً دائماً، بل تُراكم هشاشةً تنتظر لحظة الانفجار.

إنها سيناريوهات القوة الغبية حين تظنّ أن الهيبة تُبنى بالخوف، فتحوّل الكوكب إلى فقاعةٍ مرعبة، وإلى غابةٍ تعجّ بوحوشٍ آدمية ترتدي أقنعة الحضارة.

الحرب ليست قدراً، والقوة ليست حتمية، والهيمنة ليست قانون الطبيعة. ما ينقص العالم ليس مزيداً من الصواريخ، بل مزيداً من الشجاعة الأخلاقية؛ شجاعة أن نقول: كفى. شجاعة أن نختار الدبلوماسية قبل الدمار. شجاعة أن نُعيد تعريف القوة بأنها القدرة على حماية الإنسان، لا القدرة على إفنائه.

وإلا فإنّ التاريخ سيكتب – بمدادٍ من رماد – أنّ العالم كان قادراً على النجاة… لكنه فضّل أن يختبر جنون الانتحار السياسي.