تغيير النظام الإيراني، هدف أميركي، أم إسرائيلي؟
نشر بتاريخ: 2026/03/04 (آخر تحديث: 2026/03/04 الساعة: 18:46)

تساءلت في مقال سابق عن العلاقة بين الدولة العميقة في الولايات المتحدة وإدارة ترامب، والتقاطعات بين الطرفين، وما بدا واضحاً أن ترامب وسّع هامش صلاحياته بما يتجاوز الدولة العميقة وأحياناً يتعارض معها، وضد مصالح أميركا العليا.. ويمكن إضافة تساؤل ذي صلة بالموضوع، عن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ومَن يقود مَن؟ ومَن يصنع القرار، أو يؤثر فيه؟ وإذا وضعنا هذا السؤال في سياق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، سنعود إلى تصريح نتنياهو الأخير، وهو تصريح استفزازي وغريب، فيه قدر كبير من الغطرسة والغباء، حيث قال: «منذ أربعين سنة وأنا أفكر وأحلم بإسقاط النظام الإيراني».. قبل أربعين سنة لم يكن لإيران أذرع في المنطقة، ولم يكن لديها مشروع نووي، ولا صواريخ باليستية.. كانت منشغلة في حربها على العراق.. وبالتالي لم تكن تشكل أي تهديد أمني أو إستراتيجي على إسرائيل.. فلماذا يحلم نتنياهو بإسقاط النظام؟

وأيضا، ومنذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية (1980_1988) وحتى أمد قريب لم تكن إيران تشكل خطراً حقيقياً على الولايات المتحدة، بل كان بينهما نوع من تقاسم الأدوار، أو التخادُم، ضمن صراع بين مشاريع هيمنة، كانت إيران تسعى لأخذ الصدارة بين القوى الإقليمية المهمة في الإقليم (تركيا، إسرائيل، الدول العربية وفي مقدمتها السعودية)، وكما أشرت في المقال السابق صمتت أميركا على التمدد الإيراني، إلى أن بدأ التحول العميق في الإستراتيجية الأميركية مع تصاعد صراع الأقطاب الدولية الكبرى (أميركا، الصين، روسيا..)، ضمن سياق خلق نظام دولي جديد، يقتضي إزاحة وتحييد الدول والميليشيات التي تقف حجر عثرة أمامه، أو تشكل تهديداً أمنياً ولو ضئيلاً، أو غير منسجم ومتكيف معه. وفي مقدمتها إيران، ومعها أذرعها الميليشياوية.

إذاً، أميركا تريد تكييف النظام الإيراني من خلال إضعافه وإخضاعه والتفاهم معه، لكن القيادة الإيرانية طلبت شروطاً واستحقاقات أكثر مما تريد أميركا منحها.. هذا لا يتطلب بالضرورة شن حرب، كان يمكن لأميركا تصعيد العقوبات، وتشديد الحصار، والتركيز على الدبلوماسية والتفاوض.. ولما اقترب المسار التفاوضي من إيجاد صيغة حل (كما أعلن الوسيط العماني قبل يوم من الحرب) بادرت إسرائيل لشن الحرب، لقطع المسار التفاوضي، وتوريط أميركا في الحرب.

طبعاً، لا يمكن لإسرائيل إجبار أميركا على خوض حرب بهذه السهولة.. لذا خلال الأربعين سنة الماضية لم يجد نتنياهو رئيساً أميركياً يوافق على شن الحرب، بل إن أوباما توصل إلى اتفاقية مكتوبة مع إيران بشراكة أوروبية.. إلى أن جاء ترامب فكان من أولى قراراته في ولايته الأولى إلغاؤها.. وفي ولايته الثانية شن الحرب فعلياً، مع أنه لا مصلحة أميركية (حقيقية) من وراء الحرب، ويجب الانتباه هنا أن أميركا خاضت الحرب دون قرار من مجلس الأمن، وحتى دون مشاورة الكونغرس، وهناك أطراف عديدة من داخل أميركا غير مقتنعة بجدوى الحرب وضرورتها، بل وتعارضها.

إسرائيل هي التي مهدت الطريق لترامب لشن الحرب، وورطته بها.. بدأت بخطوات متدرجة ومدروسة منذ العام 2011، كانت البداية بطرح قضية إيران والتهويل من خطرها عبر حملة إعلامية منظمة. ترافقت معها عمليات استخباراتية بهدف جمع المعلومات، واختراق إيران من الداخل وزرع جواسيس، واختراق كافة أذرعها المسلحة (حزب الله، حماس، الجهاد، الحوثيين، حزب الله العراقي..)، ولا حاجة للقول أنها حققت اختراقات رهيبة في هذا المجال.

أما الخطوات العسكرية والسياسية فقد كانت النقلة الافتتاحية تحييد وتدمير قطاع غزة، حيث جاءت عملية طوفان الأقصى، فوجدت إسرائيل فرصة لخلق المبرر الأقوى لتدمير غزة، من خلال اختراع خطر وجودي يعطي لإسرائيل سبب تعبئة داخلية وخارجية وحملة إعلامية قوية، ومبرراً لشن حرب طويلة لم يكن ممكناً تسويقها قبل ذلك. في النتيجة تدمرت غزة وتم تفكيك بنية حماس الأمنية والعسكرية، وبالتالي القضاء على الذراع الإيراني الجنوبي.

الخطوة الثانية، تحييد حزب الله، بحجة مشاركته في الحرب ودعمه لحماس، خطط الموساد لهذه الخطوة قبل الحرب بسنوات، حين زرع متفجرات في أجهزة الاتصال التي يستخدمها عناصر وقياديي حزب الله وانتظر اللحظة المناسبة لتفجيرها، تبعتها عمليات اغتيال لقادة الصف الأول والثاني للحزب، وفي النتيجة تم إضعاف وتحييد الذراع الإيراني الشمالي.

وعلى الفور، انتقلت للخطوة التالية؛ قطع التواصل البري بين إيران ولبنان من خلال المساهمة في إسقاط نظام الأسد، واستغلال الفرصة لاحتلال مساحات واسعة ومهمة من الأراضي السورية، ما يعني قطع المد اللوجيستي لمحور المقاومة، بل والقضاء عليه، ليغدو النظام الإيراني معزولاً ومكشوفاً ويمكن مهاجمته في حرب طويلة، وكان من الضروري اختبار قدرات إيران الحقيقية، باستدراجها لحرب محدودة؛ فتم استهداف السفارة الإيرانية، واغتيال إسماعيل هنية وسط طهران، ثم مهاجمة المنشآت النووية في حزيران 2025، في حرب قصيرة شاركت فيها أميركا.

لكن قبل شن العدوان الكبير كان لازماً حل مشكلة ارتفاع أسعار النفط، أو انقطاع إمداداته فيما لو أغلقت إيران مضيق هرمز، حتى لا تنشأ أزمات اقتصادية، وقد تمثل الحل باعتقال رئيس فنزويلا مادورو، وتوقيع اتفاقية إذعان مع النظام الجديد، لضمان تعويض أي نقص من خلال النفط الفنزويلي، وتوفير أمان نفطي يلبي حاجات أميركا. صحيح أن هذه الخطوة قامت بها أميركا، ولكن التحريض الإسرائيلي لم يقصّر.

بعد قطع الأذرُع صار ممكناً ضرب الرأس، حيث شنت إسرائيل وأميركا هجمات منسقة على إيران بدأتها بضربة قُتل فيها أغلب الصف القيادي بمن فيهم خامنئي وكبار مساعديه. ولكن، حتى في هذه الحرب تبدو أهداف أميركا غير أهداف إسرائيل، فأميركا تبحث عن صيغة تفاهم مع أي قيادة إيرانية قابلة بشروطها، بينما تريد إسرائيل تدمير المقدرات الإيرانية: المشروع النووي، والصواريخ الباليستية، والقدرات العسكرية، والعلمية، وكل ما تعتقد أنه يشكل تهديداً إستراتيجياً، ولو بعد سنين طويلة. تماماً كما فعلت في سورية.

النقلة الأخيرة بعد الحرب، وربما أثناءها، هي توفير كافة الشروط وتذليل العقبات وتهيئة الظروف أمام الشعب الإيراني، ليقوم بنفسه بإزاحة النظام.