في الحرب، لا يعلو صوتٌ فوق صوت الانفجار… إلا بوق الشاحنة الثقيلة. ذلك الصوت المعدني الحادّ الذي يشقّ الصمت المكسور، يعلن مرور الرزق ممزوجًا بالخطر، والعمل مقرونًا بالموت المحتمل.
تتصاعد أبواق الشاحنات وسط فوضى شاملة وغيابٍ للقانون، لكن السؤال الأخطر يبقى حاضرًا في الوجدان الفلسطيني: هل يسقط الضمير حين تسقط الأنظمة ؟ أم أن الأخلاق آخر ما يجب أن يُحمَل على الأكتاف حين تُرفع الرايات السودا
توقّفت الحياة، ومعها توقّفت التراخيص، وغابت التأمينات، وانسحبت الدولة من الشارع، وبقي السائق وحده في مواجهة طريقٍ بلا حماية، وبشرٍ بلا أمان مشهد موحش مكدس بالمخاطر والخوف من المجهول هنا لا يكون السؤال ترفًا فكريًا، بل وجعًا يوميًا: من يحاسب على حوادث الدهس التي حصدت أرواح الشباب عند “ميراج” ومداخل المساعدات؟ ومن يضع حدًا للسرعة الجنونية التي لا تفرّق بين طفلٍ يبحث عن رغيف، وسائقٍ يبحث عن لقمة عيش تسنده في هذا الخراب؟
يقضي سائقو الشاحنات الثقيلة ساعاتٍ طويلة تحت شمسٍ حارقة وبردٍ قارس، ينتظرون الإشارة التي قد تأتي أو لا تأتي. شاحنات تنسيقات للتجار، وأخرى للمساعدات، وصهاريج غاز وبترول، تصطفّ كتوابيت حديدية على قارعة الانتظار. لا مظلّة تحميهم، ولا نظام ينظّمهم، ولا وقت يُحتسب من أعمارهم المستنزفة. ينتظرون يومًا كاملًا مقابل دقائق سير، ويجازفون بأعصابهم وأرواحهم كي تمرّ حمولة قد لا تغيّر مصير أحد، لكنها قد تنهي مصير إنسان.
غلاء الوقود صار عبئًا خانقًا؛ يدفع السائق ثمن اللتر من قوت أطفاله، ثم يُطالَب بالسير والصبر والصمت. وإن تعطّلت الشاحنة، فالصيانة وجعٌ آخر، وقطع الغيار شحيحة، والتكاليف باهظة، وكأن الحرب لم تكتفِ بما أخذت، فأرادت أن تستنزف ما تبقّى من كرامة العامل الفلسطيني.
يطلب الاحتلال من الشاحنات السير بسرعة كبيرة بلا توقف، خصوصًا في المناطق المكتظة بالجائعين الباحثين عن المساعدات. أوامر لا ترى في الطريق سوى ممرٍ لوجستي، ولا ترى في البشر سوى عوائق. وهنا تقع الكارثة الكبرى: موتٌ محقّق للفقراء، حين يندفع الجائع نحو الشاحنة كما يندفع الغريق نحو خشبة نجاة، فتختلط الدماء بزيت المحركات، ويُغمس الرغيف بدم الغلابة، وتتحول المساعدة إلى مأتم، والنجاة إلى فاجعة.
يروي أحد السائقين بمرارة: “أُجبرت على الإسراع… ظهر شاب أمامي فجأة. ضغطت الفرامل، لكن الحديد لا يستجيب للقلب. نجوت أنا، ومات هو، ومنذ ذلك اليوم وأنا أحمل وجهه في مرآتي. كوابيس تؤرق مضجعي صوت أبواق الشاحنات ووجه للضحية .” أي مأساة هذه التي تجعل السائق خصمًا للضحية، وكلاهما أسير الطريق ذاته، ومطرقة الأوامر العسكرية؟
وفي ظل غياب القانون، يبرز دور المخاتير ولجان الإصلاح ورجال الإصلاح الاجتماعي، الذين يحاولون حقن الدم وحلّ قضايا الدهس عرفيًا، ويقفون بين الغضب والثأر، حفاظًا على ما تبقّى من السلم الأهلي. لهم كل الشكر في زمنٍ صار فيه الإصلاح مهمة شاقة، وسدًّا أخيرًا أمام انهيار المجتمع من الداخل.
الخلاصة ليست مجاملة ولا دعاءً عابرًا، بل صرخة من عمق الوجع: سائقو الشاحنات ليسوا قتلة، بل عمال حربٍ قهريين، والفقراء الذين يُدهسون ليسوا أرقامًا، بل أرواحًا كان لها حلم وعائلة. المسؤولية اليوم أخلاقية قبل أن تكون قانونية؛ على السائق أن يتشبّث بالحذر مهما اشتد الضغط، وأن يدرك أن عجلات شاحنته قد تكتب قدرًا لا يُمحى، وعلى الناس أن يعوا أن الاندفاع نحو الشاحنات قد يكون اندفاعًا نحو الموت. على المجتمع أن ينظّم نفسه ما استطاع، لأن الوطن الذي يقاوم القصف لا يجوز أن ينزف من طرقه. إن لم نستطع إيقاف الحرب، فلنُوقف قتل بعضنا بعضًا تحت عجلاتها، ولنجعل من الضمير قانونًا مؤقتًا، حتى يعود القانون، أو ننجو بما تبقّى من إنسانيتنا.