حين يصبح البقاء إنجازاً يومياً
نشر بتاريخ: 2026/02/18 (آخر تحديث: 2026/02/18 الساعة: 22:51)

في المخيمات الفلسطينية في لبنان، لا يُقاس الزمن بالسنوات بل بالأزمات. هنا، وُلد أكثر من نصف السكان بعد النكبة بوقت طويل، لكنهم ما زالوا يعيشون نتائجها المباشرة. نحو نصف مليون فلسطيني مسجلين لدى وكالة الأونروا في لبنان، إلا أن المقيمين فعلياً يُقدَّرون بما بين مئتي ألف وثلاثمئة ألف فقط، بعدما دفعت الهجرة والفقر آلاف العائلات إلى البحث عن أي مكان آخر يمكن أن يمنح أبناءها فرصة حياة أقل قسوة. ومع ذلك، بقيت المخيمات مكتظة إلى حد أن الكيلومتر المربع الواحد في بعضها يضم عشرات آلاف البشر، في واحدة من أعلى نسب الكثافة السكانية في المنطقة.

في مخيم عين الحلوة، حيث يعيش ما يقارب ثمانين ألف إنسان في مساحة تقارب كيلومتراً مربعاً واحداً، تبدو الأزقة أضيق من أن تتسع لخطوتين متقابلتين. الضوء يصل متأخراً، والهواء مشبع برطوبة الجدران القديمة، وأسلاك الكهرباء تتشابك فوق الرؤوس كشبكة عنكبوت معدنية. أما في مخيم شاتيلا ومخيم برج البراجنة، فقد ارتفعت الأبنية طابقاً فوق طابق بلا أساسات كافية، لأن الأرض لا تتوسع والسكان يتكاثرون، ولأن الفلسطيني ممنوع عملياً من التملك خارج المخيم، فيبقى النمو العمودي هو الخيار الوحيد للبقاء.

لكن الاكتظاظ ليس أكثر ما يرهق الحياة هنا. الأثقل هو الشعور بأن المخيم يُترك ليتدبر أمره بنفسه. خلال العقد الأخير، ومع تراجع تمويل وكالة الأونروا، انخفض الإنفاق السنوي للفرد اللاجئ في لبنان إلى مستويات هي الأدنى تقريباً منذ عقود. الصفوف المدرسية التي صُممت لثلاثين طالباً باتت تضم أربعين أو خمسين. العيادات التي كانت تغطي معظم الأدوية الأساسية أصبحت تقدّم جزءاً منها فقط، فيما يُطلب من المرضى دفع الفارق أو التخلي عن العلاج. في حالات الأمراض المزمنة أو العمليات الجراحية، تصل نسبة ما يتحمله المريض أحياناً إلى نصف الكلفة أو أكثر، وهو مبلغ يفوق قدرة عائلات يعيش معظمها تحت خط الفقر.

الفقر هنا ليس رقماً مجرداً. التقديرات تشير إلى أن ما يزيد على ثمانين في المئة من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعيشون اليوم تحت خط الفقر، وأن ثلثيهم تقريباً تحت خط الفقر المدقع. البطالة بين الشباب تتجاوز في بعض المخيمات نصف القوى العاملة، ليس لأنهم لا يريدون العمل، بل لأن القانون يمنعهم من عشرات المهن المنظمة، ويجعل حتى المهن المتاحة محفوفة بإجراءات معقدة وكلفة مرتفعة. وهكذا يتحول العمل إلى نشاط غير رسمي بلا حماية ولا استقرار، ويصبح الدخل اليومي غير مضمون، ويغدو السؤال عن إيجار البيت أو ثمن الدواء هاجساً دائماً.

القوانين اللبنانية التي لم تتغير جذرياً منذ عقود تبقي الفلسطيني في منطقة رمادية قانونية. لا هو أجنبي عادي يملك حق العمل والتملك، ولا هو مواطن يتمتع بالحماية الاجتماعية. الفلسطيني لا يستطيع أن يرث شقة اشتراها سابقاً، ولا أن يسجل عقاراً باسمه، ما يعني أن المخيم يظل قدره الجغرافي شبه الحتمي. حتى الذين تعلموا في الجامعات اللبنانية ونجحوا في تخصصاتهم يصطدمون بجدار المهن المحظورة، فيجد الطبيب نفسه عاجزاً عن مزاولة الطب، والمهندس عن ممارسة الهندسة، فينزلق كثيرون إلى أعمال لا تمت لتعليمهم بصلة.

هذا الانسداد المادي والقانوني يترك أثراً نفسياً عميقاً. الطفل الذي يكبر في المخيم يسمع باكراً كلمة “ممنوع” أكثر مما يسمع كلمة “ممكن”. وحين يصل إلى المراهقة، يدرك أن جهده الدراسي قد لا يغير واقعه، لأن المشكلة ليست في قدرته بل في الإطار الذي يحيط به. لهذا ترتفع معدلات التسرب المدرسي، وتزداد محاولات الهجرة غير النظامية، ويتحول البحر في خيال بعض الشباب إلى أفق بديل، رغم ما يحمله من خطر. في السنوات الأخيرة، غادر آلاف الفلسطينيين لبنان بهذه الطريقة، وبعضهم لم يصل أبداً.

ومع كل تقليص جديد في خدمات وكالة الأونروا، يشعر سكان المخيم أن الأرض تضيق أكثر. حين تُخفض المساعدات الغذائية، يعني ذلك وجبات أقل. حين تتراجع التغطية الصحية، يعني ذلك مرضاً بلا علاج. وحين تُدمج الصفوف أو تُلغى برامج الدعم النفسي، يعني ذلك طفلاً إضافياً بلا سند. المخيم لا ينهار فجأة، بل يتآكل ببطء، مثل جدار يتشقق دون أن يسقط.

ورغم ذلك، تستمر الحياة. تُفتح الدكاكين الصغيرة كل صباح، وتُغسل عتبات البيوت، وتُعلق صور الشهداء والقرى الفلسطينية على الجدران، كأن الذاكرة نفسها وسيلة للبقاء. في المخيم، الكرامة ليست مفهوماً سياسياً مجرداً، بل ممارسة يومية: أمّ تحاول إخفاء قلقها على أبنائها، أب يخرج بحثاً عن عمل قد لا يجده، طالب يدرس على ضوء خافت لأن الكهرباء مقطوعة. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع معنى الصمود الحقيقي.

المأساة أن كل ذلك يحدث في مكان يفترض أن يكون مؤقتاً. بعد أكثر من سبعين عاماً، لم يعد المخيم محطة عابرة، بل واقعاً دائماً بلا حقوق دائمة. تقليصات التمويل الدولي جعلت خدمات الإغاثة أضعف من أن تحمي، والقوانين اللبنانية أبقت القيود أقوى من أن تُحتمل، فيما الأفق السياسي لحل قضية اللاجئين يبدو أبعد من أي وقت مضى. وهكذا يعيش الفلسطيني في لبنان بين ثلاثة حدود: مخيم لا يتسع، قانون لا يلين، ومؤسسة إنسانية لم تعد قادرة على ما كانت عليه.

حين يُقال إن الفلسطيني في لبنان يعيش بلا حقوق عمل ولا كرامة، فهذه ليست عبارة سياسية، بل وصف دقيق لحياة يومية يختلط فيها البقاء بالانتظار. في المخيمات، لا يطلب الناس امتيازات، بل ما هو أبسط بكثير: أن يكون الإنسان قادراً على أن يعيش، لا أن ينجو فقط.

نقلاً عن أمد..