عائلة جندية وبكر… ملحمة العفو التي كسرت سيف الفتنة في غزة
نشر بتاريخ: 2026/02/16 (آخر تحديث: 2026/02/16 الساعة: 21:30)

 

في زمنٍ اختلط فيه الضجيج بالحطام، وتعالت فيه أصوات الانقسام فوق أنين الوطن، برزت عائلة جندية وبكر في قطاع غزة كنموذج حيّ للأخلاق الوطنية والوعي الجمعي. لم تنجرف العائلتان إلى منطق الغضب، بل اختارتا دفن الحقد ووأد الفتنة، ورفعتا راية المصالحة العشائرية الوطنية في لحظة كانت البلاد فيها أحوج ما تكون إلى الحكمة لا إلى الدم.

لم يكن هذا الصلح تفصيلًا عابرًا في مشهدٍ مأزوم، بل موقفًا أخلاقيًا وطنيًا أكد أن الكرامة لا تُصان بالثأر، ولا تُحمى بالعنف، بل بضبط النفس وتغليب المصلحة العامة على انفعالات اللحظة. لقد حملت هذه المصالحة رسالة واضحة إلى عائلات الشجاعية والشاطئ، بل إلى غزة كلها: أن السلم الأهلي هو خط الدفاع الأول عن مجتمعٍ أنهكه الاحتلال، وأتعبته صراعات الداخل، وكاد يُستدرج إلى فوضى لا تخدم إلا أعداءه.

جسّدت عائلة جندية وبكر معنى القيادة المسؤولة، حين قدّم مختارا العائلتين العقل على الانفعال، والتسامح على الانتقام، والإنسان على الشعارات. فقد كان لمختار آل بكر مروان بكر (أبو فادي)، ولمختار آل جندية أكرم جندية (أبو نبيل)، دورٌ محوري في تثبيت أركان الصلح، وإعلاء قيمة الحكمة، وتحويل الخلاف من ساحة توتر إلى مساحة وعي ومسؤولية وطنية.

وكان المشهد العشائري بالغ الدلالة؛ إذ تقدّم مختار عائلة بكر والكفن على كتفه، وعلم فلسطين في يده، محمولًا على كرسي الحكمة وسط أهله. وحين قُدِّم له السلاح، رفضه بوضوح لا يحتمل التأويل، في رسالة أخلاقية حاسمة مفادها أن السلاح لمقاومة الاحتلال فقط، لا لفضّ الخلافات بين الإخوة، وأن الدم الفلسطيني خط أحمر لا يُستباح تحت أي ذريعة.

كما شكّل اصطفاف العائلات في حيّي الشجاعية والشاطئ لوحة وطنية جامعة؛ دروعًا بشرية من الحكمة، وسياجًا أخلاقيًا يحمي السلم الأهلي. الجميع أدرك أن الحرب التهمت من شبابنا ما يكفي، وأن ما تبقّى ليس مجالًا للمقامرة، بل أمانة في أعناق العقلاء.

وكان عفو عائلة جندية كرمًا وطنيًا صافيًا، عفو الأقوياء لا الضعفاء، الذين يدركون أن أبناء العائلات جميعًا هم رصيد الوطن وذخره، وأن الحفاظ عليهم مقدَّم على أي اعتبار آخر. وقد وقفت إلى جانبهم عائلات الأعلام وأبناء العمومة جميعًا: الحرازين، الهركلي، عبيد، قدوم، شلح، زربتلي، عرقان، في تلاحمٍ مشرّف أعاد الاعتبار لمعنى العائلة بوصفها حارسة للاستقرار لا شرارة للفوضى.

كما هبّت سائر عائلات الشجاعية والشاطئ، في مشهدٍ نادر من التضامن، مؤكدة أن العائلة حين تعلو بقيمها تتحول إلى صمّام أمان للمجتمع كله. ولا يمكن إغفال الدور الحاسم لرجال الإصلاح والمخاتير الذين وأدوا الفتنة في مهدها، وفي مقدمتهم حسني المغني (أبو سلمان)، ثم أبو نضال شلط وأبو عبدالله الشافعي، الذين حملوا أمانة الإصلاح بصدق ومسؤولية وطنية عالية، وغلبوا لغة العقل والرحمة على لغة الغضب، فكان لتدخلهم الحكيم أثرٌ بالغ في إيقاف شلال الدم وحماية السلم الأهلي.

وإذا كان لهذا الصلح بعدٌ أعمق، فهو أن عائلة جندية وبكر، ومعهما عائلات الأعلام كافة، ليست طارئة على التضحية؛ فقد قدّموا كوكبة من الشهداء، ويقبع من أبنائهم أسرى في سجون الاحتلال، فضلًا عن جرحى ما زالوا يحملون وجع القذائف. من هنا، فإن اختيارهم للحياة لا يُنقص من تاريخهم، بل يضيف إليه بعدًا أخلاقيًا أرفع.

ما جرى ليس مصالحة عائلية فحسب، بل موقف وطني مكتمل الأركان، ورسالة واضحة تقول إن القوة الحقيقية في حماية السلم الأهلي، وإن العائلة العظيمة هي التي تنتصر للأخلاق لا للخصومة، وللوطن لا للغضب.

فلسطين تستحق الأفضل…

والراية لن تسقط.