لا يختلف الفلسطينيون والعرب، والمجتمع الدولي كله، على أن القرارات التي صدرت عن المجلس الوزاري الإسرائيلي السياسي - الأمني، بخصوص توسيع وشرعنة السيطرة الإسرائيلية الكاملة على مناطق الضفة الغربية، تشكل خطراً كبيراً على مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني المتمثل بالتحرر من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. فهذه القرارات تشمل إجراءات لتسريع عمليات شراء الأراضي والاستيلاء عليها في مختلف مناطق الضفة المحتلة وللمرة الأولى يتم ضم المناطق المصنفة (أ)، وليس فقط (ج) و(ب) لهذه الإجراءات. بمعنى أن الحكومة الإسرائيلية تعطي الصلاحية للجهات القائمة على الاستيطان لشراء ومصادرة الأراضي وهدم البيوت في كل مكان في الضفة، بل وتسهيل عمليات الشراء حتى دون الموافقة المسبقة للإدارة المدنية. بالإضافة طبعاً إلى سحب صلاحيات بلدية الخليل عن منطقة الحرم الإبراهيمي ومناطق الاستيطان في مدينة الخليل، وتحويلها إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية. وإنشاء إدارة بلدية إسرائيلية لقبر راحيل في بيت لحم.
باختصار، أزالت إسرائيل القيود التي تعيق أو تبطئ عملية ضم الضفة الغربية، وعملت على تغيير الواقع السياسي والقانوني للمناطقة المحتلة في سابقة هي الأولى منذ عام 1967، وذلك من أجل ضم الضفة وتهجير السكان الفلسطينيين منها، ومنع قيام أي كيان سياسي فلسطيني يمكن أن يكون دولة مستقلة. وهذه القرارات لا تسعى فقط للقضاء على وجود السلطة الفلسطينية من خلال تقليص صلاحياتها على الأرض، وتجفيف مواردها الاقتصادية ودفعها للإفلاس التام والعجز عن تلبية أدنى واجباتها تجاه الشعب، بل وكذلك تريد الإجهاز على الحلم الوطني بشكل كامل، ودفع الفلسطينيين للاختيار بين التسليم بالأمر الواقع الاحتلالي وبين الهجرة للخارج.
ما حصل ليس مفاجئاً، فهو تطور طبيعي في المشروع الاستيطاني المعلن للحكومة الإسرائيلية. وهو كذلك نتيجة لما آل إليه الوضع الفلسطيني الذي بدأ في التدهور والدمار منذ نهاية العام 2000، مع اندلاع الانتفاضة الثانية. بعض الفلسطينيين يتهمون «اتفاق أوسلو» بأنه هو السبب في الوضع القائم حالياً، والحقيقة هي أن السياسات الفلسطينية في التعامل مع الواقع الذي نشأ بعد «اتفاق أوسلو « هي التي أدت إلى ما وصلنا إليه. وللتذكير قبل اندلاع الانتفاضة الثانية التي تحولت إلى صراع مسلح خلال أيام، وساهمت في صعود اليمين الإسرائيلي وقدمت له الذريعة الجيدة للقضاء على الاتفاق، كان لدينا مطار في غزة، ووضعنا حجر الأساس لإنشاء الميناء البحري، وكان هناك ممر آمن بين الضفة وغزة، وكانت الشرطة الفلسطينية وأجهزة الأمن على المعابر مع مصر والأردن، وكان الوضع الاقتصادي مزدهراً في وجود دعم دولي كبير وبناء مؤسسات واقتصاد وطني فلسطيني.
كانت بداية التدهور بالعمليات الانتحارية التي استهدفت الأهداف المدنية الإسرائيلية، وما رافقها من عمليات استهداف إسرائيلي لكل البنية الأمنية والمدنية الفلسطينية، وتفاقم الوضع بعد فوز «حماس» في الانتخابات التشريعية عام 2006، ومن ثم انقلابها على السلطة الوطنية عام 2007، وكل المحاولات لإعادة توحيد شقَّي الوطن فشلت في ظل التنازع على كعكة السلطة، حتى وصلنا إلى الحروب التي خاضتها «حماس» والفصائل المسلحة في غزة، والتي انتهت بهجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، الذي مثّلت نتائجه النكبة الأخطر على القضية الفلسطينية. وهذا المناخ الذي نحن فيه هو الأمثل لإسرائيل لتطبيق ما يحلو لها من ضم وتهجير، وكل ما من شأنه منع الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم الوطنية والإنسانية.
الآن نحن أمام خطر داهم يمكن أن يصل إلى حدوده القصوى بتنفيذ كامل المشروع الإسرائيلي. والسؤال: هل نحن قادرون على مقاومته وكيف يمكن ذلك؟ وحتى لا نخدع أنفسنا، نحن غير قادرين على صد هذا العدوان الإسرائيلي بالأدوات التي لدينا الآن، مع أن الشعب الفلسطيني هو شعب مبدع وقادر على ابتكار وسائله وأساليبه الخاصة في مقاومة الاحتلال. لقد وصلنا إلى مستوى استنفاد قدرات القيادات الفلسطينية القائمة حالياً. فهي لم تعد تملك لا خططاً ولا قدرات على قيادة الشعب الفلسطيني إلى طريق الخلاص. خاصة في ظل التمسك بالانقسام والإصرار على مصالح فئوية، وغالباً فردية، لا تقيم وزناً لوطن ولا لشعب. كيف يمكن أن ننقذ الوطن عندما يكون حلم «حماس» هو الإبقاء على حكمها في غزة، وهي مستعدة لتقديم كل أوراق الاعتماد لإسرائيل والولايات المتحدة لكي تبقى مع سلاحها الفردي الذي سيمنع إعادة إعمار القطاع وتوحيده مع الضفة؟ وكيف يمكن للقيادة الفلسطينية أن تقوم بدورها في الضفة وهي عاجزة تماماً حتى عن إقناع الشعب الفلسطيني بأنها مؤهلة لهذا الدور، وهي تكتفي بالبيانات والإدانات والمناشدات ولا تمتلك أي قدرات لتغيير الواقع أو التأثير على القرارات الإسرائيلية؟
مواجهة المشروع الاستيطاني يجب أن تكون باتجاهين: الأول إعادة إعمار غزة ومنع تهجير سكانها وتوحيدها مع الضفة تحت السلطة الوطنية الواحدة، والثاني الذي يجب أن يتم بالتوازي مع الأول هو المقاومة الشعبية السلمية على نطاق واسع في الضفة الغربية، شرط عدم استخدام السلاح، والبعد بشكل كامل عن كل الشعارات الغبية المدمرة التي تخدم الاحتلال. وهذا يتطلب قيادة وطنية ميدانية يثق بها الناس ويسيرون خلفها. فهل هذا ممكن؟