عزمي بشارة وإعادة تعويم حماس
نشر بتاريخ: 2026/02/03 (آخر تحديث: 2026/02/03 الساعة: 16:56)

تحدث عزمي بشارة عن تغيير جوهري في المشروع الوطني، حين نقلته منظمة التحرير من التحرير الكامل إلى إقامة دولة فلسطينية بعد قبولها قرارات الشرعية الدولية وبخاصة قرار التقسيم. حدث ذلك فعلاً في سياق متغيرات عربية ودولية، ومن خلال تشجيع هذه النقلة من قبل، المعسكر الاشتراكي والاتحاد الأوروبي ومنظومات دول عدم الانحياز والمؤتمر الإسلامي والاتحاد الإفريقي والتي كانت جميعها تحول دعمها السياسي إلى قرارات الجمعية العامة ومؤسسات الأمم المتحدة. هذا المشروع المعتمد دولياً وعربياً وفلسطينياً، والذي حظي بتأييد جزء من المجتمع الإسرائيلي أيضاً، جوبه برفض اليمين الإسرائيلي المدعوم من الإدارات الأميركية المتعاقبة، وقد ترافق الرفض الإسرائيلي مع تقويض مقومات المشروع على الأرض.

مقابل ذلك، فإن مشروع أرض الوقف الإسلامي والتحرير الكامل المدعم بالمقاومة المسلحة الذي قدمته حماس، لم يحظ بأي مستوى من التأييد العربي والدولي، بل لاقى «استحساناً» من حكومة ومعسكر نتنياهو لجهة توظيفه في إفشال المشروع الوطني، في الوقت الذي لا يملك فيه مشروع حماس أي فرصة للتقدم أو احتلال حيز قابل للتطور. فسيكون من السهل هزيمة وعزل هذا المشروع «المقترن بالإرهاب» من وجهة نظر إسرائيل وأميركا وأكثرية الدول الغربية. لم يستطع نتنياهو ومعسكره عزل المشروع الوطني المقترن بالقانون والشرعية الدوليين. ما دفعه إلى اتباع سياسة إضعاف السلطة وتجريدها من صلاحياتها وتقوية حماس بتشجيع وتيسير دعمها بـ 30 مليون دولار -كاش- شهرياً من الحكومة القطرية. لماذا يتجاهل بشارة وصول أموال الدعم من الدوحة إلى مطار اللد إلى قطاع غزة، في أغرب علاقة بين دولة محتلة ومقاومة تطرح إزالة الدولة المحتلة من الوجود. وفوق هذا يرى أن سلطة حماس «أكثر استقلالية» ولم تتخل عن خيار المقاومة برغم الحصار الإسرائيلي العربي لها. وعندما يحاول قراءة تلك المقاومة يقول إن حماس أخذت تقاوم الحصار بعد أن رفضت إسرائيل جميع المبادرات لتخفيفه في مقابل هُدن طويلة المدى. ويضيف: كانت إسرائيل تشن حروباً تأديبية رداً على رشقات صواريخ كان من المفترض أن تذكر العالم بالحصار كلما بدا أنه أصبح طي النسيان. ما هذه المقاومة التي تستند إلى هدنات طويلة؟ فخلال 16 عاماً شنت إسرائيل 4 حروب تأديبية استغرقت حوالي 90 يوماً، وما عدا ذلك عمت الهدنة. مقابل تفهّم بشارة للمقاومة وهُدنها يقيم الدنيا ولا يقعدها ضد التنسيق الأمني، والتفاوض الذي تتبعه السلطة ويحملها تبعات المآل الذي وصل إليه اتفاق أوسلو. ويتجاهل بشارة دور مقاومة حماس المسلحة وعملياتها الاستشهادية في إفشال المشروع الوطني الذي يستند للحل الدولي، ودورها في فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية بانقلاب عسكري، وفي المحصلة كان ذلك لمصلحة برنامج اليمين القومي والديني الإسرائيلي الرافض للحل الدولي جملةً وتفصيلاً.

عندما يصل بشارة في محاضرته الى طوفان الأقصى، يقفز عن الكارثة والمتسببين فيها بالقول: قيل الكثير عن الطوفان وخلفياته وأهدافه ونتائجه، لذا لا جدوى من التوسع في هذا الموضوع اليوم. ويضيف: لكن من السذاجة الاعتقاد انه يمكن مواصلة التفكير في المشروع الوطني انطلاقاً من المسلمات والأدوات بعد التحولات الكبرى في أعقاب حجم الرد الإسرائيلي «الزلزال»، والضربات القاصمة لمحور المقاومة ولحركة حماس التي تحدثت قيادتها عن أهداف للعملية في بدايتها لم تعد تُذكر اليوم، إذ إن ما تحقق هو عكسها. ويصل إلى استنتاج: «إن الدائرة أغلقت على العمل المسلح، الذي فقد أي سند إقليمي، ولم يبق ثمة قوة فلسطينية مركزية يمكن أن تطرح الكفاح المسلح طريقاً للتحرير».

نعم، قيل الكثير في فضائية «العربي» التابعة للمركز الذي يرأسه بشارة في الدوحة. قيل الكثير عن نجاحات المقاومة والآفاق التي فتحتها أمام الشعب الفلسطيني، وقيل الكثير عن مأزق إسرائيل والأثمان الباهظة التي تدفعها. ولم تسمح الفضائية بقول ملاحظة نقدية واحدة عن مقامرة حماس بشعبها وبمشروعه الوطني، وعن تسببها في استدعاء أبشع أشكال العدوان في صيغة حرب إبادة. ثم يأتي بشارة بعد عامين ليقول: قيل الكثير، دون أن يدقق في صواب أو خطأ ما قيل، باستثناء أن قيادة حماس طرحت أهدافاً وتحقق عكسها. لماذا لم يتوقف بشارة عند هذه النتيجة ويحاول أن يفسرها للمنكوبين على أقل تقدير؟ لماذا لم يُجب عن أبسط سؤال طرحه المواطن العادي وهو: لماذا دخلت المقاومة في حرب مواجهة شاملة مع دولة متفوقة على دول الإقليم؟ اكتفى بشارة بصب جام غضبه على الرد الإسرائيلي المزلزل. واكتشف متأخراً ما اكتشفته قيادة منظمة التحرير منذ العام 82 حين خسرت آخر معاقلها في لبنان، وقد حظر العمل المسلح من جميع الدول المحيطة بفلسطين، وغاب أي دعم خارجي لخيار الكفاح المسلح. لم يسمح النظام السوري للفصائل التي رفضت أوسلو باللجوء للكفاح المسلح من الأراضي السورية واللبنانية. ودعمت إيران المقاومة الإسلامية – حماس والجهاد وحزب الله - لاستخدامهم كورقة ضغط لتحسين نفوذها الإقليمي. لم تدّعِ إيران أنها تملك استراتيجية لتحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال، وكانت أذرعها تغط في هدن طويلة الأمد. أما المواجهة العسكرية والحروب فكانت أشبه بردود فعل من المقاومة، وحرباً تأديبية من دولة الاحتلال، ولم ترتبط بالخلاص من الاحتلال. لم يكن التعويل على محور المقاومة الذي تقوده إيران يحتاج الى عناء تفكير لكشف عناصر ضعفه، ولا جدواه ولا جديته في مجال فعل التحرر من الاحتلال. هو مجرد محور سقفه الأعلى مكانة إيران الإقليمية، وما كانت فلسطين بحاجةإلى تجريب الكفاح المسلح بعد ان دفعت أثماناً باهظة في تجاربها السابقة.

ثم يصل بشارة الى بيت القصيد حين يقول: أصبح واضحاً أن ما يجري تشييده في فلسطين هو نظام فصل عنصري من نوع خاص.. ويضيف: لا يمكن تجاهل الواقع الجديد وهو ضم إسرائيل للأرض من دون منح الحقوق للسكان وتحويل التجمعات الى «غيتوات». وقد أصبح التحرر الوطني يعني التحرر من نظام الفصل العنصري الذي لا يتوانى عن ارتكاب عمليات إبادة وتهجير. ويضيف، قد ينجم عن التحرر من الأبارتهايد دولة كاملة السيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو نظام ديمقراطي يقوم على المواطنة في ارض فلسطين التاريخية. ووفقاً لذلك يسبق هذين النموذجين مشروع وطني عنوانه الصراع ضد نظام الفصل العنصري في فلسطين، ذلك أن التحرر من الفصل العنصري يعد شرطاً لأي حل عادل. وبناء عليه يدعو بشارة القوى الوطنية والعقلانية إلى ضرورة تشكيل المؤسسة السياسية التي تجمع الفلسطينيين في المناطق المحتلة والخارج لقيادة النضال ضد الأبارتهايد.

هكذا ينقلنا بشارة من دراما الكفاح المسلح بدون مراجعة التجربة إلى دراما الأبارتهايد. ويتنبأ بنتيجتين لهذا النضال: دولة كاملة السيادة في الضفة والقطاع، أو دولة ديمقراطية لكل مواطنيها، متجاوزاً المؤسسة الرسمية – مؤسسات المنظمة والسلطة – ليعود إلى التنظيمات باعتبارها الحامل لمشروع النضال ضد الأبارتهايد وإعادة تعويم حماس وكأن شيئاً لم يكن.