تحتدم حرب الاحتلال على الوجود الفلسطيني على كامل الأرض الفلسطينية على نحوٍ خطير يستدعي من القوى الفلسطينية كافّة مغادرة منطقها الانقسامي، وأجنداتها الفصائلية، وأوهام بعضها بإقصاء الآخر.
سنتان من حرب التدمير والإبادة قبل أن يتمّ الإعلان عن وقف إطلاق النار وفق «خطّة ترامب» لم تنجحا في كسر إرادة الشعب الفلسطيني ومقاومته، فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه وعلى رأسها تهجير الفلسطينيين إلى خارج أراضيهم سواء من الضفة الغربية والقدس أو من قطاع غزّة.
دولة الاحتلال تواصل الحرب بكلّ وحشية بغطاء وتواطؤ من الإدارة الأميركية، وقلة حيلة المتدخّلين من العرب والمسلمين.
آخر ما ورد قصف إسرائيلي أدّى إلى استشهاد أكثر من ثلاثين مواطناً في القطاع، ومواصلة التحكّم في كمّ ونوع المواد الإغاثية التي تدخل إليه.
فتح معبر رفح هو عبارة عن مسخرة مفضوحة، ذلك أن دولة الاحتلال تتحكّم في أعداد وهوية العائدين، الذين يفترض ألا يزيد عددهم على خمسين وفقط ممّن غادروا القطاع خلال الحرب العدوانية، بينما تسمح وبتسهيلات بخروج مئة وخمسين مواطناً، ما يفضح معادلة الاحتلال وإصراره على تفريغ القطاع من سكّانه أو تقليص عدد الناس إلى ما دون المليون نسمة في أحسن تقدير.
فتح معبر رفح وفق هذه الآلية المذلّة ليس إنجازاً، فإذا كان البعض يعتبر ذلك كسراً للحصار، فإنه يغطي الشمس بغربال.
تتحدّث إدارة ترامب عن الاستعجال في البدء بعملية إعادة الأعمار، ولكن ثمّة تباطؤاً يعكس تواطؤاً مع رغبة دولة الاحتلال في تعطيل هذه العملية فضلاً عن إهمال مناطق القطاع خارج منطقة رفح التي تفترض الخطّة الأميركية البدء بإعادة إعمارها بالرغم، أيضاً، من مخاطر الخطّة التي طرحها جاريد كوشنر.
الناس في غزّة يعانون أشد المعاناة، من النقص الحادّ في إمدادات المياه الصالحة للشرب، ومن نقص فادح في المعدّات اللازمة لإعادة ترميم البنية التحتية في شتاء قارس لا يرحم.
ومع كلّ هذا الدعم الأميركي خلال سني الحرب وما بعدها، يتهم بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية» إدارة جو بايدين، بأنها مسؤولة عن مقتل جنود إسرائيليين بذريعة الامتناع عن دعم كيانه بالذخائر والأسلحة اللازمة.
خلال الحرب، أقامت إدارة بايدن جسراً جوياً وبحرياً لم يتوقّف عن نقل المعدّات العسكرية، التي بلغت قيمتها أكثر من اثنين وعشرين مليار دولار.
لم تشفع لبايدن، ووزير خارجيته أنتوني بلينكن، إعلانهما أنهما صهيونيان وأن القوات الأميركية وحلفاءها في المنطقة، قدموا مساهمات فاعلة في التصدّي للصواريخ الإيرانية و»الحوثية»، وقدموا كل الحماية الدبلوماسية والسياسية للدولة العبرية سواء في مؤسسات الأمم المتحدة أو منصّات العدالة الدولية.
الاتهامات التي وجّهها نتنياهو لبايدن وإدارته «الديمقراطية» تدلّ على غياب الوفاء للحلفاء، وتندرج في سياق التملّق لإدارة ترامب الذي لا يتوقف نتنياهو عن كيل الثناء له.
ومرّة أخرى، فإن الحرب على الفلسطينيين لم تبدأ من السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، وهي في الأساس بدأت في الضفة والقدس ومنذ عقود طويلة في الأراضي المحتلة عام 1948.
ومع ذلك، ورغم ذلك، تمكنّت دولة الاحتلال من تجزئة مقاومة الشعب الفلسطيني، فخاضت غزّة الحرب وحدها، والضفة وحدها، وفلسطينيو الداخل وحدهم، في وقت كان الرهان على أن يقف كل الفلسطينيين في مواجهة الحروب الإسرائيلية موحّدين، لكن ذلك اقتصر على البيانات والتصريحات والتحرّكات الدبلوماسية.
حال الضفة، أكثر من صارخ، حيث ميليشيات المستوطنين المسلّحين، تعتدي كل يوم بل كل ساعة، على ممتلكات الناس وأملاكهم وأرزاقهم.
الاستيطان يتوسّع، ويزداد سمنة، ويهدّد بفصل المدن والقرى الفلسطينية عن بعضها، وجيش الاحتلال لا يتوقّف عن مصادرة وسرقة الأراضي، ونسف البيوت، واقتحام المدن والقرى والبلدات الفلسطينية.
إذا كانت غزّة تتعرّض لمخطّط التهجير والاقتلاع فإن الضفة باتت هي الأخرى تشهد على عمليات تهجير داخلي، وإزالة للمخيمات الفلسطينية.
المشاهد في الضفة والقدس، تشي بأنها مقبلة على أوضاع شبيهة بما واجهته وتواجهه غزّة، فيما السلطة الوطنية الفلسطينية تعاني الأمرّين من الضغوط الإسرائيلية والأميركية وحتى الأوروبية التي تشترط على السلطة عملية إصلاح من شأنها أن تنسف هويّتها الوطنية.
دولة الاحتلال لا تزال تصادر أموال الفلسطينيين فيما تواصل إدارة ترامب تهديداتها باتخاذ عقوبات قاسية على خلفية الموقف الفلسطيني من رعاية أسر الشهداء والأسرى.
في الداخل الفلسطيني، بدأ الناس مؤخّراً يصرخون ويخرجون في تظاهرات، احتجاجاً على الإهمال المتعمّد الذي تمارسه سلطات الاحتلال، ودورها في التحريض على الفتنة ودعم عصابات الجريمة، التي تديرها شرطة الاحتلال.
عشر جامعات عبرية ولا جامعة فلسطينية، ولا مستشفى في المدن والقرى والنجوع الفلسطينية، فضلاً عن غياب التنمية، وتقنين الموازنات المقدّمة للبلديات.
هم، أيضاً، يتعرّضون إلى ضغوط هائلة من أجل إجبارهم على مغادرة أراضيهم ومدنهم فالمخطّط التهجيري لا يتوقّف على غزّة والضفة، بل يمتدّ ليستهدف كل الوجود الفلسطيني.
في مواجهة هذه الحروب الشاملة ماذا يفعل الفلسطينيون، ولماذا لا يتحرّكون نحو إعادة بناء الحركة الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي، وإعادة تنشيط المقاومة الشعبية السلمية على نحوٍ موحّد.
إن تباطؤ الفلسطينيين إزاء القيام بواجباتهم تجاه أنفسهم وأرضهم وقضيتهم، لا يترك مجالاً لنجاة أحد ولا يقدّم دافعاً لمن يفترض القيام بواجباتهم القومية، لكي يغادروا حالة الصمت والخذلان.