في العادة، عندما ترتفع أسعار الفائدة، يتوقع الناس أن تنخفض أسعار الذهب. فالذهب لا يحقق عائدًا مثل الودائع البنكية أو السندات، ولذلك يُفترض أن يفقد جاذبيته مع ارتفاع الفائدة.
ولكن ما نلاحظه اليوم يختلف عن ذلك، من حيث إن الذهب يواصل الارتفاع، بل ويصل أحيانًا إلى مستويات قياسية. فما السبب؟ وهل هذه الأسعار مبالغ فيها؟
الفائدة ليست العامل الوحيد
صحيح أن أسعار الفائدة تلعب دورًا مهمًا في حركة الذهب. المستثمر لا ينظر فقط إلى رقم الفائدة، بل يسأل سؤالًا أهم: هل أموالي آمنة؟ وهل ستحتفظ بقيمتها؟
عندما تكون الفائدة مرتفعة لكن التضخم أعلى، فإن العائد الحقيقي على المال يصبح ضعيفًا. هنا يفقد الادخار التقليدي جزءًا من جاذبيته، ويعود الذهب إلى الواجهة كوسيلة لحفظ القيمة.
وعادةً الذهب يرتفع في أوقات الخوف والاضطرابات، وليس فقط في أوقات انخفاض الفائدة.
وفي هذه الأوقات المليئة بالتوترات السياسية، والحروب، ومخاوف الركود الاقتصادي، يشعر المستثمرون بأن المخاطر أكبر من العوائد، فيتجهون إلى الذهب بحثًا عن الأمان.
بعبارة أخرى، ارتفاع الذهب اليوم هو انعكاس لحالة قلق عالمي للمستثمرين أكثر منه رد فعل مباشر على أسعار الفائدة.
ويبقى السؤال الرئيس الذي يدور في ذهن كل فرد: هل الارتفاع الحالي لأسعار الذهب مبالغ فيه؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب الاعتماد على عدة أبعاد رئيسية:
الأولى/ من ناحية، قد تبدو الأسعار مرتفعة مقارنة بسنوات سابقة.
وثانيًا/ تآكل قيمة العملات وتضخم الديون العالمية،
فالثقة في النظام المالي ليست في أفضل حالاتها.
وثالثًا/ مضاربات وتوقعات المستثمرين بانخفاض أسعار الفائدة هو جزء من ارتفاع الذهب.
فعندما يعتقد السوق أن البنوك المركزية ستتراجع عن التشديد النقدي، يبدأ شراء الذهب مبكرًا، ما يدفع الأسعار للصعود قبل حدوث أي قرار فعلي.
رابعًا/ كذلك يمكن إيعاز تدخلات البنوك المركزية على أنها عامل مهم.
أحيانًا تلجأ البنوك المركزية نفسها بشراء الذهب بكميات كبيرة. هذه المؤسسات، التي تدير احتياطيات الدول، تسعى إلى تقليل الاعتماد على العملات الأجنبية، خاصة الدولار، ما يعزز الطلب على الذهب ويدعم أسعاره.
ومن وجهة نظري يمكن القول بأن ارتفاع أسعار الذهب رغم ارتفاع أسعار الفائدة ليس لغزًا كما يبدو.
فالفائدة لم تعد العامل الحاسم الوحيد، بل أصبحت جزءًا من صورة أكبر تشمل التضخم، والمخاطر العالمية، وتراجع الثقة بالعملات.
وقد تكون أسعار الذهب مرتفعة، وربما مبالغًا فيها على المدى القصير، لكنها تعكس في جوهرها حالة عدم يقين يعيشها العالم اليوم. وفي أوقات القلق، ورغم ذلك يبقى الذهب دائمًا ملاذًا آمنًا في هذه الظروف الصعبة.