نتنياهو والمرحلة الثانية: بين تعطيل التقدم وامتحان الدور الفلسطيني
نشر بتاريخ: 2026/01/28 (آخر تحديث: 2026/01/28 الساعة: 23:09)

لا يمكن قراءة تصريحات رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وشروطه للمرحلة الثانية من أي اتفاق، بمعزل عن السياق السياسي الذي يتحرك داخله، ولا عن إدراكه العميق لطبيعة اللحظة الراهنة: لحظة انتقال من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق إدارة ما بعد الإبادة، وهو انتقال يحاول نتنياهو تعطيله أو تفريغه من مضمونه السياسي قدر الإمكان.

يتعامل نتنياهو مع المرحلة الثانية بوصفها تهديداً سياسياً لا استحقاقاً تفاوضياً. فهذه المرحلة، إن كُتب لها التقدم، تعني فتح ملفات الانسحاب، وإعادة الإعمار، وإعادة ترتيب الوضع في قطاع غزة، وانتقال مركز الثقل من القتل والتدمير إلى تنفيذ بنود الاتفاق عبر الطاولة السياسية.

لهذا يحرص نتنياهو على فرض معادلة واضحة: لا إعادة إعمار قبل نزع السلاح، ولا تقدم سياسي قبل تثبيت “الواقع الأمني” الذي فرضته الحرب. وهي معادلة لا تهدف عملياً إلى نزع السلاح، بقدر ما تهدف إلى إبقاء غزة في حالة تعليق دائم، لا حرب ولا سلم ولا إعادة بناء حقيقية.

في الداخل الإسرائيلي، لا يبدو نتنياهو محاصَراً كما يُروَّج. فمختلف الأطياف السياسية، من اليمين المتطرف إلى الوسط، تتقاطع عند نقطة واحدة: عدم الرغبة في أي تغيير جوهري للوضع القائم. هكذا تتحول غزة إلى ملف للمزايدات الداخلية، ويصبح التجميد خياراً مريحاً للجميع.

أما الرهان على ضغط أميركي حاسم، فيبدو حتى الآن رهاناً ضعيف الأساس. تجربة المرحلة الأولى أظهرت أن إدارة ترامب، رغم خطابها “الجاد”، لا تمارس ضغطاً فعلياً على نتنياهو، بل تكتفي بإدارة التوازنات. وقد تكون محدودية هذا الضغط، في ذاتها، دافعاً لقلق إسرائيلي متزايد، تكشفه حملات الإعلام اليميني ضد كوشنير وويتكوف، خشية أن يتحول محيط ترامب إلى عامل ضغط يدفع نحو إنجاز المرحلة الثانية، بما فيها بدء الإعمار بالتوازي مع مسار نزع السلاح لا كشرطٍ مسبق له، بما يجعل التوقيت الفلسطيني عاملاً حاسماً في وضع نتنياهو في الزاوية لا غزة.

الضغط الحقيقي لا يتشكل إلا في حالة واحدة: إذا وُضعت الإدارة الأميركية نفسها في زاوية سياسية، عبر تقديم رؤية فلسطينية، ومن حماس على وجه الخصوص، متماسكة للمرحلة الثانية، مدعومة من الوسطاء، بحيث يصبح التعطيل الإسرائيلي عبئاً أميركياً لا يمكن تجاهله.

من هنا نفهم حساسية التوقيت، وأهمية ألّا يُترك المجال لنتنياهو كي يعيد ترتيب أوراقه الداخلية (قانون الموازنة، أو قانون الحريديم، شبكة الأمان الائتلافية، وسلاح حلّ الكنيست) قبل أن تتشكل معادلة ضغط مقابلة.

في ظل هذه المعطيات، يمكن القول إن التقدم في المرحلة الثانية ليس معطَّلاً فقط بسبب إسرائيل، مع التأكيد أن المسؤولية هنا غير متكافئة ولا تماثل بين الاحتلال والطرف الواقع تحت الإبادة، بل قد يكون اتهام للفلسطينيين بسبب غياب مبادرة فلسطينية سياسية واضحة المعالم. استمرار الغموض يمنح نتنياهو وقتاً إضافياً، ويحوّل “المرحلة القادمة” إلى مجرد امتداد للمرحلة الحالية بأدوات مختلفة.

الأخطر أن تأخير الانتقال السياسي يسمح لإسرائيل بفرض وقائع جديدة تحت عناوين: “إعادة الإعمار المشروط”، و“الخرائط الجديدة”، و“المناطق الأمنية”، ومشاريع إعادة البناء المرتبطة بمصالح استثمارية خارجية، لا بحقوق السكان الفلسطينيين.

هنا يبرز السؤال الجوهري: ما هو الدور الفلسطيني المطلوب في هذه اللحظة؟ الدور لم يعد يقتصر على الصمود أو إدارة الأزمة، بل يتطلب طرح رؤية متكاملة للمرحلة الثانية، تشمل الإعمار، وإدارة غزة، والترتيبات الأمنية، والبعد السياسي، بما ينزع الذرائع الإسرائيلية ويُحرج الأطراف الدولية، والتعامل مع الإعمار كمعركة سيادية؛ إذ إن إعادة البناء ليست ملفاً فنياً أو إنسانياً، بل ساحة صراع على الأرض، والملكيات، وشكل وهوية قطاع غزة المستقبلية. وأي فراغ هنا سيُملأ إسرائيلياً أو دولياً على حساب الفلسطينيين.

إن استثمار الشقوق الدولية والإقليمية يمر عبر تحويل قطاع غزة من عبء تفاوضي إلى قضية اختبار للمجتمع الدولي: هل هو شريك في إعادة الحياة، أم شريك في إدارة آثار الإبادة؟ رغم فداحة الدمار، تفتح لحظة ما بعد حرب الإبادة نافذة نادرة لإعادة بناء غزة وطنياً وسياسياً، لا عمرانياً فقط. لكن هذه الفرصة لا تُمنَح، بل تُنتَزع.

إن ترك زمام المبادرة بيد نتنياهو يعني إعادة إنتاج الحصار بصيغة “ناعمة”، وتحويل الإعمار إلى أداة ضبط سياسي، وتثبيت نتائج الحرب كأمر واقع. أما التقدم الحقيقي، فيبدأ حين يدرك الفلسطينيون أن المرحلة الثانية ليست امتداداً للمواجهة، بل ساحة جديدة لها، ساحة تُدار فيها المعركة ليست بالتمسك فقط بما كانت عليه الأوضاع سابقاً، بل بالخرائط، والرواية، والوقت.

المعضلة اليوم ليست في نوايا نتنياهو، فهي مكشوفة، ولا في تردد ترامب، فهو متوقع، بل في السؤال الفلسطيني الداخلي: هل نريد إدارة ما بعد الإبادة، أم تغيير قواعدها؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد إن كانت المرحلة القادمة خطوة نحو إعادة بناء غزة وفتح أفق سياسي، أم مجرد استراحة قصيرة في مسار الإبادة المستمرة بأدوات أخرى.