عدوّ الأمس… صديق الغد.
هكذا يبدو المشهد اليوم، وكأنّ السياسة لا تعرف ذاكرة، ولا تعترف بثوابت، بل تعيد تدوير الخصومات وفق مقتضيات اللحظة.
يبدو أن قيادة حركة حماس تقرأ اليوم على شيخٍ واحد، لكن بفتوى متغيّرة. قبل أيام كان خالد مشعل، واليوم محمد نزال، يغازل الإدارة الأمريكية، ويتودّد إليها، مطالبًا بأن تسمع منه لا عنه، وكأنّ واشنطن باتت فجأة وسيطًا نزيهًا، لا طرفًا أصيلًا في الجريمة.
يتهمون نتنياهو بالكذب عليها، وكأنّ الإدارة الأمريكية كانت يومًا ضحية تضليل إسرائيلي، لا شريكًا كامل الأهلية في القتل والحصار والتدمير.
المفارقة الصادمة أنّ هذه الإدارة نفسها كانت تُوصَف، على مدى عقود، بـ“الشيطان الأعظم”، وكان مجرد التفاوض معها خيانة عظمى، تُكفَّر بها السلطة الفلسطينية وتُخَوَّن، ويُرمى قادتها بالردّة والعمالة والانحراف عن “خط المقاومة”.
على مدار أكثر من ثلاثة عقود، كانت السلطة الفلسطينية – من وجهة نظر محمد نزال ورفاقه – سلطةً خائنةً، منحرفةً، فقط لأنها جلست يومًا على طاولة تفاوض مع الإدارة الأمريكية.
أما اليوم، فقد انقلب الخطاب رأسًا على عقب؛ فأصبحت الإدارة نفسها “ملائكة السلام في العالم”، وبات من حق دونالد ترامب – في ذروة المجازر – أن يُرشَّح لجائزة نوبل للسلام!
أيّ سلام هذا؟
سلامٌ بعد مشاركة مباشرة أو غير مباشرة في قتل ما يزيد على مئة ألف فلسطيني، ومسح غزة من الوجود، وإعادة إنتاج النكبة بتفاصيل أكثر وحشية؟
الأدهى من ذلك أن اللقاء مع هذه الإدارة لم يعد محرّمًا أو خطًا أحمر، بل تحوّل إلى مطلب “جهادي”، وفق توصيف جديد، يقدّمه محمد نزال وقيادته العسكرية والسياسية، وكأنّ القداسة تُمنح وتُسحب حسب الحاجة السياسية، لا حسب المبادئ.
يقول محمد نزال:
“نريد من الإدارة الأمريكية أن تسمع منا لا أن تسمع عنا، ولن نسمح لنتنياهو بنقل صورة مختلفة عن حماس إلى الإدارة الأمريكية.”
كلام يبدو، في ظاهره، عقلانيًا، لكنه في جوهره اعتراف صريح بانقلاب الخطاب، وتعرية فجّة لشعارات طالما رُفعت باسم الدين والمقاومة والطهر الثوري.
نتنياهو، نعم، فاسقٌ ومجرم، ولن ينجو من حساب التاريخ ولا من حساب السماء، لكن السؤال الأعمق:
بأي منطق تُدان السلطة لأنها فاوضت، وتُبرَّر الحركة لأنها “تتودّد”؟
تقبل السماء الدعاء بنية صافية، ويُستجاب لمن صدق،
لكن هل دعاء الإسلام السياسي نابع من نية خالصة لله والوطن؟
أم أنه دعاء موسمي، يُبدَّل بتبدّل التحالفات، وتُعاد صياغته وفق خرائط المصالح؟
المفاجأة الكبرى – إن صحّ التعبير – قد تكون يوم القيامة، حين يتبيّن أن من ادّعوا الملائكية على الأرض، وارتدوا البياض، وحملوا المسبحة، وتعطّروا بخطاب الفضيلة، لم يكونوا سوى شياطين سياسة، أتقنوا تسويق القداسة، وخدعونا بالشعارات، بينما كانت الأجندات تُدار في الخفاء.
لقد خُدعنا ببياضهم، وببرامجهم، وبشعاراتهم الإسلامية،
ثم اكتشفنا أن الأزياء تغيّرت… من بياضٍ زائف إلى أحمرٍ سياسيّ فاقع.
اليوم، أُدرك أكثر من أي وقت مضى العلاقة الملتبسة بين الرومانسية والسياسة؛
حيث تُعزف سيمفونية الموت الأسود على أنقاض أحلامنا الفلسطينية،
وتُدمَّر القضية تحت وطأة أجندات خارجية، تتلاعب بدمنا، وتوظّف مأساتنا،
ليُزرَع مشروعها في شرقٍ أوسطٍ يزداد سوادًا… ونحن نرتدي ثياب العزاء السياسي.