جيش الاحتلال حرّك كتلًا خرسانية داخل غزة وأربك حدود «الخط الأصفر» بعد وقف إطلاق النار
نشر بتاريخ: 2026/01/18 (آخر تحديث: 2026/01/18 الساعة: 18:30)

لندن - كشف فريق تقصي الحقائق في شبكة "بي بي سي"، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي حرّك كتلاً خرسانية، بشكل أعمق داخل قطاع غزة في عدة مواقع، كان يُفترض أنها تحدد خط سيطرته بعد اتفاق وقف إطلاق النار، ، وهو ما أدى إلى إثارة حالة من الالتباس بين الفلسطينيين.

وأظهرت صور أقمار صناعية، راجعها فريق تقصي الحقائق في الشبكة الإخبارية، أنه في ثلاث مناطق على الأقل، وضعت دولة الاحتلال هذه الكتل الصفراء قبل أن تنقلها لاحقاً إلى مواقع أكثر عمقاً داخل قطاع غزة.

وكان وزير الحرب لدى دولة الاحتلال "يسرائيل كاتس"، قد هدد في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، من أن أي شخص يتجاوز "الخط الأصفر" سيُواجَه بإطلاق النار، ومنذ الإدلاء بهذه التصريحات، شهدت المناطق المحيطة بالخطّ سلسلة من الحوادث القاتلة.

جرى نقل الكتل في 16 موقعًا

في كل من بيت لاهيا وجباليا وحي التفاح، وضع جيش الاحتلال كتلاً صفراء، قبل أن يعود لاحقاً وينقلها إلى مواقع أكثر عمقاً داخل غزة، حيث بلغ إجمالي المواقع التي جرى نقلها 16 موقعاً.

وفي حيّ التفاح بمدينة غزة، تُظهر صور أقمار صناعية أن قوات الجيش الإسرائيلي حرّكت ما لا يقل عن سبع كتل كانت موضوعة بالفعل بين 27 تشرين الثاني/نوفمبر و25 كانون الأول/ديسمبر، كما جرى تغيير مواقع هذه العلامات بمتوسط مسافة قدرها 295 متراً باتجاه عمق قطاع غزة.

وعلاوة على الكتل التي نقلها جيش الاحتلال، استطاع فريق تقصي الحقائق في "بي بي سي" تحديد مواقع 205 علامات أخرى، وُضع ما يزيد عن نصفها في عمق أكبر بكثير داخل قطاع غزة مقارنة بالخط المحدد على الخرائط.

وزعم متحدث باسم الاحتلال، أن الجيش الإسرائيلي "ينفذ عمليات ترسيم بصري للخط الأصفر بما يتوافق مع الظروف الميدانية والتقييم العملياتي المستمر للوضع"، رافضا الاتهامات التي تفيد بنقل الخط الأصفر أو تجاوزه من قبل قوات الجيش الإسرائيلي".

عدم التحديد بزعم أنها "منطقة قتال خطرة"

وتُظهر تحليلات صور أقمار صناعية حتى 11 كانون الثاني/يناير، أن بعض مقاطع الخط الأصفر، الذي وصفه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بأنه "خط حدودي جديد"، لا تزال غير محددة العلامات على الأرض، رغم مرور ما يزيد على ثلاثة أشهر على بدء سريان وقف إطلاق النار.

كما تُبيّن أحدث صور الأقمار الصناعية، التي فحصها فريق تقصي الحقائق في "بي بي سي"، عدم وضع كتل على امتداد نحو 10 كيلومترات من الأراضي، الأمر الذي جعل عدداً من سكان غزة في حالة من الارتباك لمعرفة أين تبدأ حدود ما يسميها الجيش الإسرائيلي بـ "منطقة قتال خطرة".

ترسيم حدود لمزيد من التحكم بتهجير سكان غزة

ووصف أندرياس كريغ، الخبير في أمن الشرق الأوسط بجامعة كينغز كوليدج لندن، عملية نقل الكتل بأنها "أداة من أدوات رسم حدود الأراضي".

وقال: "من خلال الإبقاء على الخط القانوني ثابتاً على الخرائط، مع وضع العلامات الميدانية على مسافات تبعد مئات الأمتار عنه، تحافظ إسرائيل على قدرتها على التحكم في أماكن سكن أهل غزة وتنقلهم وأنشطتهم الزراعية، دون الإعلان رسمياً عن تعديل الحدود".

حوادث دموية وتجريف حول الخط الأصفر

ومنذ التحذير الذي أطلقه كاتس، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أطلقت قوات الاحتلال النار على أشخاص حاولوا عبور "الخط الأصفر" في نحو 69 واقعة، بحسب تحليل لمنشورات الجيش نفسه على منصة تلغرام، وتصريحات أدلى بها لـ"بي بي سي".

وعلى الرغم من موافقة الاحتلال، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار على سحب قواته إلى ما وراء "الخط الأصفر"، أظهرت مقاطع فيديو وصور بالأقمار الصناعية، اطّلع عليها فريق تقصي الحقائق في "بي بي سي" مراراً وجود آليات تابعة للجيش الإسرائيلي تعمل خارج الخط المحدد على الخرائط.

وفي مقاطع موثقة، شوهدت ناقلات جند مدرعة وجرافات على مسافة تقدر بنحو 400 متر بعد الخط الأصفر المرسوم عند دوّار بني سهيلا في خان يونس، في حين أظهرت صورة بالأقمار الصناعية التُقطت في 25 كانون الأول/ديسمبر، دبابة وحفار وآليات عسكرية أخرى متمركزة على بُعد يقارب 260 متراً بعد الخط الأصفر في منطقة بيت لاهيا.

وفي بعض الحالات، تلا تحريك الكتل قيام الجيش الإسرائيلي بهدم مبانٍ قريبة، وتكشف صور بالأقمار الصناعية، في شرق مدينة غزة، تسوية مئات المباني بالأرض حتى موقع الكتل الأول، بل وتجاوزه في بعض المواقع، قبل أن يُعاد لاحقاً تحريك العلامات، وتبع ذلك دمار إضافي.

هدم مبانٍ بذريعة تدمير الأنفاق

وفي المنطقة المجاورة لجباليا، هدمت القوات الإسرائيلية عدداً من أبنية المدارس الواقعة على مسافة نحو 150 متراً داخل الخط المحدد على الخرائط، وفي عدد من الحالات التي شهدت عمليات هدم نفذها الجيش الإسرائيلي، تسببت الأنقاض المتراكمة في حجب العلامات فعلياً عن أنظار الفلسطينيين على الأرض.

وزعم متحدث باسم جيش الاحتلال، إن القوات تفكك شبكة أنفاق تابعة لحماس، وأضاف أنها تمتد أسفل مبانٍ تقع على جانبي "الخط الأصفر"، مشيراً إلى أن تدمير هذه الأنفاق "قد يتسبب في انهيار مبانٍ على جانبي الخط".

تحويل أجزاء من غزة إلى "حزام معقّم"

وفي بعض مناطق القطاع، جرى وضع العلامات قبل وقت قصير من الشروع في أعمال إنشاء تحصينات إسرائيلية مؤقتة، من بينها حواجز طرق ومتاريس دفاعية، خارج الخط الأصفر على الخرائط.

وقال الخبير الأمني، أندرياس كريغ، لفريق تقصي الحقائق في "بي بي سي" إن تحريك الكتل من شأنه أن يتيح لإسرائيل تحويل أجزاء من قطاع غزة إلى ما وصفه بـ"حزام معقّم"، وأضاف: "يعني ذلك، من الناحية العملية، أن وضع الأرض لا يرتبط بما تنص عليه خريطة وقف إطلاق النار، بالقدر الذي يرتبط فيه بالمكان الذي تستقر فيه الكتل الخرسانية في يوم معين".