نشر بتاريخ: 2026/09/25 ( آخر تحديث: 2026/09/25 الساعة: 19:02 )

بين مطرقة الاحتلال وصمت الغرب.. الوجود المسيحي في فلسطين يواجه خطراً وجودياً غير مسبوق

نشر بتاريخ: 2026/09/25 (آخر تحديث: 2026/09/25 الساعة: 19:02)

الكوفية لا يفرق الاحتلال الإسرائيلي في عدوانهِ المستمر ومتعدد الأشكال بين فلسطيني وآخر، فالاستهداف يطال أبناء الشعب الفلسطيني بجميع مكوناتهم الدينية والاجتماعية لمجرد انتمائهم لهذه الأرض.

وفي هذا السياق، سلّط مقال تحليلي نُشر مؤخراً في موقع Pensamiento Pentecostal Arminiano هو منصة إلكترونية ومدونة متخصصة في اللاهوت المسيحي، الضوء على مأساة الوجود المسيحي في فلسطين، كاشفاً عن حجم التراجع الديموغرافي الخطير الذي تعاني منه العائلات المسيحية نتيجة سياسات الاحتلال الإسرائيلي المتمثلة في الاقتلاع، الحصار، وعنف المستوطنين.

جذور متأصلة في أرض التاريخ

يؤكد التقرير أن المسيحيين الفلسطينيين ليسوا جالية وافدة أو أقلية طارئة، بل هم جزء لا يتجزأ من النسيج التاريخي والحضاري للبلاد، وهم الامتداد الطبيعي للسكان الأصليين الذين بنيت كنائسهم في القدس، وبيت لحم، والناصرة، وغزة منذ فجر المسيحية، إلا أن هذا الوجود التاريخي يتعرض لتهديد وجودي غير مسبوق، بدأ تصاعده منذ نكبة عام 1948 مروراً بنكسة 1967، وصولاً إلى سياسات التضييق اليومية.

كما أبرز المقال تصريحات رئيس التجمع الوطني المسيحي ديمتري دلياني، الذي شدد على أن المسيحيين يمثلون جزءًا أصيلًا من تاريخ فلسطين، وأن وجودهم في الأرض يعود إلى بدايات المسيحية.

ونقل المقال عن دلياني قوله إن المسيحيين "شعب أصيل موجود هنا منذ زمن المسيح"، مؤكدًا أن إيمانهم "متجذر في الأرض نفسها"، وأنهم ليسوا جماعة وصلت إلى فلسطين مع المشروع الصهيوني، بل منحدرون من سكانها الأصليين، وأن وجودهم فيها قديم ومتواصل.

وجودنا متجذر في الأرض

واعتبر المقال أن تصريحات دلياني تعبّر عن جانب أساسي من النقاش المتعلق بالمسيحيين في فلسطين، الذين ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم جزءًا من النسيج التاريخي والاجتماعي الفلسطيني، وليسوا مجرد جماعة مرتبطة بالأماكن الدينية والسياحية.

ويشير المقال إلى أن المجتمع المسيحي الفلسطيني من أقدم المجتمعات المسيحية في العالم، وأن جذوره تمتد إلى القرون الأولى للمسيحية، إلا أن أعداده شهدت تراجعًا مستمرًا خلال العقود الماضية، بفعل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، وفق ما أورده الكاتب.

ويربط المقال هذا التراجع، من بين عوامل أخرى، بالاحتلال والقيود المفروضة على الحركة، والاعتداءات، والضغوط الاقتصادية، إضافة إلى تداعيات الحرب في قطاع غزة وتراجع النشاط السياحي الذي تعتمد عليه قطاعات واسعة من سكان مدن وبلدات فلسطينية، بينها بيت لحم.

نزيف ديموغرافي وأرقام مقلقة

تشير المعطيات والأرقام الواردة في القراءات التحليلية إلى تراجع حاد في أعداد المسيحيين الفلسطينيين، ففي بيت لحم وهي المدينة التي احتضنت مولد السيد المسيح وكانت تضم أغلبية مسيحية تاريخية تتجاوز 80%، بات المسيحيون فيها اليوم لا يمثلون سوى نحو 10% من إجمالي السكان نتيجة موجات الهجرة القسرية.

أما قطاع غزة، ففي ظل حرب الإبادة والعدوان المتواصل، انكمشت الجماعة المسيحية في القطاع لتقتصر على أعداد ضئيلة للغاية لا تتجاوز بضع مئات من الصامدين بين ركام الدمار.

وتحذر الشخصيات الدينية والوطنية الفلسطينية من أن السياسات الاحتلالية الممنهجة قد تفريغ الأرض من أبنائها المسيحيين بحلول منتصف القرن الحالي إذا استمرت وتيرة الهجرة الناتجة عن انعدام الأمان وضيق الأفق الاقتصادي.

الاحتلال وأدوات الخنق الميداني

يعاني المسيحيون الفلسطينيون في الضفة المحتلة وغزة والقدس من ذات الآلات القمعية التي تكوي جراح كل أبناء الشعب الفلسطيني؛ فجدار الفصل العنصري يقسم المدن المقدسة ويُحكم الحصار حول بيت لحم، فضلاً عن الحواجز العسكرية المزروعة بين القرى، ومصادرة الأراضي، واعتداءات عصابات المستوطنين التي لا تستثني حجراً ولا بشراً ولا مقدسات إسلامية أو مسيحية.

«التضييق الاقتصادي» وهجرة المسيحيين

وفي السياق ذاته، استشهد المقال بتصريحات أخرى لدلياني حول التأثير الاقتصادي للقيود المفروضة على الفلسطينيين، ولا سيما تراجع السياحة والحركة في القدس وبيت لحم والبلدات المحيطة.

ونقل عنه قوله إن السياحة التي كانت تشكل عنصرًا أساسيًا في بقاء المجتمعات المسيحية في القدس وبيت لحم والمناطق المحيطة بها تعرضت لضغوط شديدة نتيجة السياسات التي تقيد الحركة والفرص الاقتصادية.

وبحسب المقال، انعكس ذلك على أصحاب المتاجر والفنادق والمرشدين السياحيين والحرفيين، خصوصًا العاملين في الصناعات التقليدية المرتبطة بخشب الزيتون، ما أدى إلى إغلاق عدد من المنشآت وتراجع مصادر الدخل.

صرخة في وجه الصمت الدولي

يختتم التحليل بالتأكيد على أن استمرار تجاهل الواقع الفلسطيني، ولا سيما من قبل بعض الدوائر الدينية في الغرب المتأثرة بالخطاب الصهيوني المسيحي، يشكل غطاءً غير أخلاقي لمعاناة الشعب الفلسطيني.

ويشدد على أن حماية الهوية الفلسطينية بمسيحييها ومسلميها هي مسؤولية وطنية وأخلاقية عالمية تتطلب وقفة جادة لدعم صمود أصحاب الأرض الاصليين حتى نيل حقوقهم المشروعة في الحرية والعودة والاستقلال.