هيكل الأمن الإقليمي الجديد
عبد المجيد سويلم
هيكل الأمن الإقليمي الجديد
قلنا في نهاية المقال السابق «العملية تمت بنجاح» بأن المنطقة قد بدأت مسارات جديدة من التموضعات والاصطفافات، وأن أنظمة كاملة، وقيادات كثيرة في العالم وفي الإقليم بدأت تتحسس رؤوسها بسبب الأخطار المحدقة بها نتجت عن الفشل الأميركي في حربها على إيران.
إذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً - وهو صحيح على الأغلب - فإن المهمة الأكثر تعقيداً هي محاولة قراءة الهيكل الأمني الإقليمي في ضوء هذه النتيجة، وما يتطلبه ذلك من اصطفافات جديدة، وتحالفات جديدة. الفشل الأميركي يتجلى في ثلاثة محاور كبرى.
الأول والأهم هو الفشل في تحقيق الأهداف المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، سواء تعلق الأمر بهدف إسقاط النظام عن طريق المراهنة على سقوطه المباشر من خلال الضربات الجوية الهائلة التي تعرضت لها إيران في صيف ٢٠٢٥ أو حرب الاثني عشر يوماً أو بعدها حرب الأربعين يوماً وما بعدها، أو بشكل غير مباشر بالمراهنة على تداعي النظام.
وكان هذا الفشل وما زال فشلاً مدوياً بدليل أن إيران فرضت أهم وأكبر شروطها في مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، وحتى بعد محاولة الانقلاب الأميركي على هذه المذكرة وفشل معركة الممرات، وسقوط بيان المنامة، وتكريس سيطرة إيران على مضيق هرمز، والعودة عن الممر العماني نحو تفاهم ما زال قيد البحث والتبلوُر بين إيران وعمان.
وقد تجلى هذا الفشل بأشكال جديدة من التشدد الإيراني، ومن صعود قيادات أكثر حزماً في مفاصل أساسية من سلطة القرار الإيراني في الحرس ومجلس الأمن القومي، وقادة الجيوش، وفي الأسماء المعلنة الجديدة وغير المعلنة من مستشاري المرشد.
يراهن البعض العربي والإسلامي على أن يكون هذا التشدد نوعاً من المغامرة الإيرانية ناتجة عن اليأس والإحباط الذي تشعر به إيران بعدما أصابها ما أصابها من دمار وخسائر هائلة، وأن الحصار البحري الاقتصادي سيؤدي إلى رضوخها في النهاية في تساوق كبير مع التقديرات الإسرائيلية والأميركية، وتبدو واضحة وجلية في حملات الدعاية الساذجة، والترويج المباشر وغير المباشر لما يقوله ويتبجح به كل من ترامب ونتنياهو، في حين أن الدول الوازنة في الإقليم بدأت تدرك بعمق أن الفشل لم يعد مجرد تخمين، بل بات واقعاً بلا عودة، وليس ممكناً، ولم يعد ممكناً تغييره.
الثاني هو انعدام الفرصة العسكرية الجديدة لتغيير هذه النتيجة، وهذا المسار والاتجاه.
وانعدام الفرصة ناتج عن استحالة هذا التغيير دون غزو بري كبير، وإنزالات بآلاف الجنود، وبمشاركة عشرات طائرات النقل وسفن برمائية تمتلك إيران في مواجهتها قوات خاصة على أعلى طراز من الجاهزية كما تمتلك عشرات الغواصات الكامنة في المياه، وتمتلك حسب مراكز بحث متخصصة مئات الطائرات المسيرة تحت الماء، إضافة إلى المسيرات الجوية التي تتفوق بها إيران.
وإذا أضفنا إلى ذلك كله ردود أفعال إيران على هذا النوع من الغزو البري باحتمالات الإنزال الإيراني في بعض دول الخليج تصبح المسألة في غاية الصعوبة، وتتحول إلى مغامرة طائشة يصعب إقرارها من المستويات العسكرية الأميركية.
الثالث هو الفشل بإيجاد خروج آمن للولايات المتحدة من هذه الحرب، وعدم الاستعداد للوصول إلى حل وسط حقيقي بسبب ضغوط داخلية، وبسبب القوة النسبية لضغط اللوبي الإسرائيلي والصهيوني، وبسبب المخاوف من خسارة الانتخابات النصفية تحت الضغوط الناجمة عن عامل الوقت، وعن مناهضة ومعارضة الحرب على المستوى الشعبي.
النتيجة أن حالة اللاسلم واللاحرب هي عملية هروب أميركية لا جدوى منها، ولا طائل من ورائها، ولا معنى لها سوى الفشل في مواجهة الواقع الذي بدأ في رسم هيكل أمني جديد في الإقليم مستبقاً الوصول إلى نتائج قد تكون أخطر مما عليه حتى الآن في حال طال انتظار الإقليم بالكامل للإيقاع الأميركي، وجدول أعماله، وأجندته الخاصة التي لم يعد من بينها مصالح الإقليم في شقه العربي والإسلامي عموماً، وفي شقه الخليجي على وجه التحديد.
باختصار فإن المتغير الأكبر الناتج عن الفشل الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران هو انطلاق مسار تشكل نظام وهيكل إقليمي أمني جديد بالمقدمات الرئيسة الآتية:
١- تراجع اعتماد واستناد هذا الهيكل على الوجود العسكري الأميركي المباشر في القواعد العسكرية الضخمة والتي كانت تمثل العمود الفقري لهذا الهيكل قبل الحرب، والاستعاضة عنها بنظام جديد ما زال في طور البحث والدراسة، وما زال يعتمد على خيارات الولايات المتحدة للخروج من الحرب، وما زال محكوماً بنتائج الانتخابات في أميركا وفي إسرائيل نفسها.
٢- أصبح الهيكل الأمني الجديد ضرورة حيوية لبلدان الخليج، وأصبح التفاهم مع إيران ضرورة حيوية موازية، وتحول الهيكل الأمني بهذا المعنى، وبهذا المحتوى إلى عامل ضغط هائل نحو نهاية الحرب، ونحو قواعد جديدة لإدارة كل أزمات الإقليم، وليس أزمة هنا وأخرى هناك، ما يُفقد إسرائيل زمام المبادرة الاستراتيجية في كل الإقليم، ويحد إلى أبعد الحدود من قدرتها على الاستثمار في التوسع الجغرافي، أو الاعتماد على هذا التوسُع لتكريس موقعها الخاص.
٣- انتهت إلى غير رجعة إستراتيجية الحل الإبراهيمي لأن الأدوات الطيّعة لهذا الحل قد تم تطويقها بالاصطفاف الجديد، والتموضعات التي ستأتي تباعاً، بعد أن يتم الترسيم النهائي للهيكل الجديد.
وأكبر دليل ساطع جديد على إدراك دولة الاحتلال لهذا المتغير الهائل هو أنها تحاول ومنذ الآن بناء تحالفها الخاص بها عبر مخطط البحر الأحمر الذي يعتمد على علاقة وثيقة بأرض الصومال وعلاقة أوثق بإثيوبيا، وبتطويق قناة السويس ووضعها تحت رحمة خطوط برية للاستغناء عنها تصل ما بين الخليج وميناء حيفا.
وتحاول إسرائيل أن تقيم لها حلفاً جديداً مع ما يزيد على إحدى عشرة دولة في أميركا اللاتينية بزعامة الأرجنتين، ومع أربع دول أفريقية لبناء نواة نظام جديد بقيادتها في عملية استباق محمومة للتعويض ولو جزئياً عن خسارتها للدور الخاص في الإقليم بعد فشل الإبراهيمية السياسية. وقد أعلن على ما يبدو من خلال التحالف الإسرائيلي مع أميركا اللاتينية ومع أفريقيا تحت تسميته رسمياً بالإسحاقية كبديل عن الإبراهيمية.
وفي المعلومات فإن إيران مستعدة لتقديم أسخى أنواع التنازلات للاصطفافات الجديدة على قاعدة الهيكل الجديد للأمن في كامل الإقليم، كما أن الباكستان بدأت مسار قيادة تحالف مكة بالعلاقة مع الخارج، وبدأت تركيا قيادة تحالف مكة بالعلاقة مع الناتو وتتولى العربية السعودية قيادة الدفة العربية في هذا التحالف. وهذا يعني أن الدور الآسيوي للباكستان قد تكرس في آسيا خصوصاً إذا حُسمت الأمور مع إيران في غرب آسيا. كما تكون المنطقة العربية قد تم التوافق عليها بين تركيا والعربية السعودية، وتكون إيران وحلفاؤها جزءاً من هذا التوافق.
بقيت الحالة الأفريقية قيد البحث لأن الأمر سيعتمد على التحديد النهائي للدور المصري فيه بعد إنهاء أزمتي ليبيا والسودان.
هذه هي المعالم الأولية للهيكل الأمني الجديد كما أراها بعد مرحلة السيطرة الأميركية العسكرية المباشرة. لكن أهم ما يجب أن نكتب حوله هو أين فلسطين من هذه المتغيرات؟ وهو ما سنحاول لاحقاً.