نشر بتاريخ: 2026/05/13 ( آخر تحديث: 2026/05/13 الساعة: 11:34 )
شريف الهركلي

المؤتمر الثامن لحركة فتح… بين تجديد الشرعية واتساع الإقصاء

نشر بتاريخ: 2026/05/13 (آخر تحديث: 2026/05/13 الساعة: 11:34)

الكوفية بعد انطفاء الأضواء في قاعة المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح، وانتهاء مشهد الفوز والتهاني والتبريكات، سواء المباشرة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة في القرار الوطني الفلسطيني، أم مجرد إعادة إنتاج للأزمة ذاتها بوجوه وآليات مختلفة؟

المعضلة الحقيقية لا تكمن في المؤتمر نفسه، بل في المدخلات التنظيمية التي صاغت نتائجه، وفي قدرة هذه المخرجات على حمل العبء الوطني في مرحلة فلسطينية شديدة التعقيد. فالقضية لم تعد مجرد استحقاق تنظيمي داخلي، بل اختبار سياسي يتعلق بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، وبقدرة الحركة على استعادة دورها التاريخي في قيادة الحالة الفلسطينية.

التجارب السياسية في العالم تؤكد أن الحركات الوطنية التي تفشل في تجديد نخبها وإعادة بناء علاقتها مع قواعدها الشعبية، تتحول تدريجيًا إلى أطر بيروقراطية فاقدة للحيوية والتأثير. فالشرعية الثورية وحدها لا تكفي للبقاء، بل تحتاج إلى شرعية الإنجاز والتجديد والقدرة على قراءة التحولات الاجتماعية والسياسية.

الشارع الفلسطيني اليوم لا يبحث عن خطابات عاطفية بقدر بحثه عن رؤية سياسية قادرة على مواجهة الانقسام، واستعادة الثقة بالمؤسسات الوطنية، وفتح المجال أمام جيل شاب يعيش بين البطالة والفقر وتآكل الأمل. فالحركات الكبرى لا تنهض بالشعارات فقط، بل بإفساح المجال أمام الكفاءات الجديدة للمشاركة في صناعة القرار.

ويبقى السؤال الأكثر حساسية: هل تستطيع القيادة الجديدة ترتيب البيت الفتحاوي الداخلي وإنهاء حالة الانقسام التنظيمي التي أضعفت الحركة لسنوات؟ ولو كانت هناك إرادة حقيقية للمصالحة، لبدأت بخطوات عملية قبل انعقاد المؤتمر، عبر إعادة الحقوق للمقطوعة رواتبهم بسبب الخلافات التنظيمية والسياسية، باعتبار ذلك رسالة حسن نوايا تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة التنظيمية والوطنية.

ولن يتوقف زحف الإقصاء داخل البيت الفتحاوي عند الأخ محمد دحلان ورفاقه من كوادر تيار الإصلاح الديمقراطي، بل امتد ليطال أبناء وكوادر من داخل حركة فتح أنفسهم، ممن يُصنَّفون ضمن ما يُعرف بـ«الشرعية». وهو ما يعكس حالة متسعة من الإقصاء التنظيمي، لم تعد مرتبطة بخلاف سياسي محدد، بقدر ما تحولت إلى نهج يرضي مجموعة متنفذة تمسك بمفاصل القرار الفتحاوي.

هذا الواقع خلق شعورًا متزايدًا بالظلم والإحباط داخل القاعدة التنظيمية، وأفقد كثيرًا من الكفاءات الوطنية إحساسها بالشراكة والانتماء الحقيقي. فالحركات الوطنية التي تستنزف طاقاتها بالإقصاء والتصنيفات الداخلية، تُضعف قدرتها على التجدد، وتفتح الباب أمام مزيد من الانقسام والتآكل الداخلي، في وقت يحتاج فيه المشروع الوطني الفلسطيني إلى وحدة الصف واستعادة الثقة أكثر من أي وقت مضى.

المؤتمر الثامن قد يكون بداية مراجعة حقيقية تعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، وقد يكون مجرد محطة عابرة في عمر الأزمة الطويلة. وحدها القدرة على الإصلاح، وتجديد الفكر السياسي، واستعادة ثقة الناس، ستحدد ما إذا كانت فتح قادرة على استعادة دورها التاريخي، أم أن الفلسطينيين سيبقون أسرى دائرة الوعود المؤجلة والأزمات المتكررة.