منذ انطلاقتها، قامت حركة حركة فتح على فكرة “الثورة”، لا على فكرة “السلطة”.
منذ انطلاقتها، قامت حركة حركة فتح على فكرة “الثورة”، لا على فكرة “السلطة”.
الكوفية كانت حركة تحرر وطني حملت البندقية بيد، والمشروع الوطني باليد الأخرى، فخرج من رحمها القادة الميدانيون، والشهداء، والأسرى، ورجال العسكر الذين صنعوا تاريخها في الكرامة وبيروت والانتفاضتين.
لكن التحول الأخطر الذي أصاب الحركة لم يكن فقط في تبدل الوجوه، بل في تبدل العقيدة التنظيمية نفسها، إذ جرى إبعاد العسكر والمناضلين الميدانيين تدريجيًا عن مراكز القرار، ليحل محلهم موظفو الولاء، وأصحاب المصالح، وحاشية السلطة...
لذلك لقد فهم كثيرون متأخرين أن استبعاد العسكر من فتح لم يكن قرارًا إداريًا عابرًا، بل كان خطوة سياسية مقصودة لإعادة تشكيل الحركة بما يناسب مشروع السيطرة الفردية...
فالعسكري الفتحاوي الحقيقي لا يعرف الصمت أمام الانحراف، لأنه تربى على فكرة الشراكة والثورة والاشتباك مع الاحتلال، لا على الطاعة العمياء لشخص أو عائلة أو طبقة منتفعة...
ولهذا كان وجود القيادات العسكرية والتاريخية داخل الحركة يشكل دائمًا حالة توازن تمنع التفرد الكامل بالقرار...
حيث بعد رحيل ياسر عرفات دخلت فتح مرحلة جديدة عنوانها “تحويل الحركة من حركة تحرر إلى جهاز إداري تابع للسلطة”...
ومن هنا بدأ الإقصاء المنظم لكل من يمتلك تاريخًا نضاليًا أو حضورًا جماهيريًا أو قدرة على التأثير داخل الأطر التنظيمية والعسكرية...
فتم تهميش قادة كتائب الأقصى، وإبعاد شخصيات تاريخية، وإحالة آلاف الكوادر إلى التقاعد السياسي والتنظيمي، بينما جرى فتح الأبواب أمام شخصيات لا تاريخ نضالي لها سوى القرب من مركز النفوذ...
لقد كان وجود العسكر داخل فتح يعني بقاء روح الثورة حية، أما إبعادهم فقد فتح الطريق أمام مشروع “فتح الجديدة”، وهي فتح التي لا تشبه تاريخ الحركة، ولا دماء شهدائها، ولا ثقافة المناضلين الذين أمضوا أعمارهم في السجون والمنافي...
فتح التي تحولت فيها العضوية من تاريخ نضالي إلى بطاقة ولاء، ومن تمثيل جماهيري إلى تعيينات فوقية، ومع غياب القيادات الميدانية الحقيقية، أصبح القرار الفتحاوي محتكرًا في يد دائرة ضيقة مرتبطة بالرئيس محمود عباس، فاختفت الحياة الداخلية للحركة، وغابت الانتخابات الحقيقية، وتحولت المؤتمرات التنظيمية إلى أدوات لإعادة إنتاج نفس المجموعة المتنفذة...
ولعل أخطر ما يراه أبناء فتح اليوم هو الشعور بأن الحركة لم تعد تُدار بعقلية الثورة، بل بعقلية “التوريث السياسي والاقتصادي”.
فالكثير من الكوادر يشعرون أن أسماء معينة يتم تجهيزها لتكون الوريث القادم، ليس عبر النضال أو التاريخ أو الإجماع التنظيمي، بل عبر النفوذ المالي والعائلي وشبكات المصالح.
حيث هنا تكمن الكارثة الحقيقية، حين تتحول حركة قدمت عشرات آلاف الشهداء إلى ساحة مغلقة يتحكم بها المقربون وأبناء المتنفذين.
لقد كانت فتح قوية حين كان قرارها جماعيًا، وحين كان العسكري والمناضل والأسير والشهيد هم معيار المكانة داخلها، أما حين أُبعد أصحاب التاريخ، وصعد المنتفعون، ضعفت الحركة وفقدت كثيرًا من هيبتها وحضورها الشعبي، فالناس لا تلتف حول حركة تدار بالعائلة والمصالح، بل حول حركة تشبه تضحياتهم وآلامهم وأحلامهم الوطنية.
إن الأزمة الحقيقية داخل فتح اليوم ليست فقط أزمة أشخاص، بل أزمة هوية ومسار.
هل تبقى فتح حركة تحرر وطني كما أرادها المؤسسون؟
أم تتحول إلى إطار سلطوي مغلق يُدار بمنطق الإقصاء والتوريث؟
هذا السؤال لم يعد تنظيميًا فقط، بل أصبح سؤالًا وطنيًا يتعلق بمستقبل المشروع الفلسطيني كله.