فتح بين إرثها النضالي وامتحان التجديد
شريف الهركلي
فتح بين إرثها النضالي وامتحان التجديد
الكوفية في اللحظات المفصلية من عمر الحركات الوطنية، لا يعود الصمت خيارًا، ولا تصبح المراجعة ترفًا تنظيميًا، بل تتحول إلى واجب أخلاقي وسياسي لحماية المشروع من التآكل والانحدار. وحركة فتح، بما تمثله من تاريخ نضالي ورصيد وطني كبير، تجد نفسها اليوم أمام استحقاق داخلي لا يحتمل المجاملة أو إعادة إنتاج الأزمات ذاتها بوجوه مختلفة، فالحركة التي قادت المشروع الوطني لعقود مطالبة اليوم بأن تواجه أسئلة القاعدة بصدق، وأن تعيد الاعتبار لمبادئ العدالة التنظيمية والمحاسبة والتمثيل الحقيقي، لأن بقاء الحال على ما هو عليه لا يعني سوى مزيد من التراجع وفقدان الثقة.
حين تُبنى المؤتمرات على ذات القواعد القديمة، وتُعاد تدوير الوجوه نفسها دون المرور بإرادة القاعدة التنظيمية، فإن النتائج لا تكون مفاجئة، بل متوقعة حدّ التطابق. المشهد الفتحاوي اليوم يعكس أزمة بنيوية حقيقية، حيث بقيت الأطر القيادية كما هي، والمجلس ذاته، والمركزية نفسها، وكأن الحركة تحمل بيدها أدوات دفنها بدل أدوات نهوضها. إن القيادات التي قبلت أو سكتت عن معاقبة غزة، وسمحت بانهيار الحالة التنظيمية فيها، لا يمكن أن تستمر في المشهد دون مساءلة، فغزة ليست هامشًا بل ركن أصيل في المعادلة الوطنية والتنظيمية، ومن وفّر الغطاء لاستمرار تلك السياسات لا يملك شرعية الحديث عن المصالحة داخل البيت الفتحاوي، بل عليه أن يراجع موقعه وموقفه بوضوح.
ولا يمكن إعفاء الكوادر من المسؤولية، فالأزمة لم تعد محصورة في رأس الهرم، بل امتدت إلى القاعدة التي أصابها خلل واضح، حيث تحولت بعض السلوكيات إلى حالة من التبرير والتصفيق بدل النقد والمساءلة. حين يغيب الصوت الحر، ويُستبدل الوعي التنظيمي بالمصالح الشخصية، تفقد الحركة أحد أهم عناصر قوتها. وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين الكوادر الأمينة والمتعلمة؟ أين أصحاب الضمير؟ أين المفكرون القادرون على إعادة صياغة البوصلة؟ وأين النظام الداخلي الذي يفترض أن يكون مرجعية حاكمة لا نصوصًا معطلة تُستحضر عند الحاجة وتُغيّب عند المصالح؟
إن استعادة مكانة فتح لا يمكن أن تتم بالشعارات أو بالرهان على الزمن، بل بخطوات جريئة تعيد الاعتبار لروح الحركة الأولى، وعلى رأسها الذهاب إلى انتخابات حقيقية تنطلق من القاعدة دون كوتات أو تدخلات نافذين، قائمة على معيار الكفاءة والاستحقاق. كما أن تنحية كل من فشل في مهامه التنظيمية باتت ضرورة، مع الإبقاء على عضويته دون تمكينه من القرار، بما يحفظ التوازن بين المحاسبة والانتماء. كذلك فإن فتح ملفات المحاسبة على ما ارتُكب من أخطاء، وخاصة بحق غزة، وإعادة حقوقها كاملة دون تمييز جغرافي، يمثل اختبارًا حقيقيًا لجدية الإصلاح. ولا يقل أهمية عن ذلك كشف حقيقة ممتلكات الحركة ومواردها، لأن الشفافية ليست رفاهية بل أساس لاستعادة ثقة القاعدة التنظيمية.
فتح اليوم أمام مفترق طرق حقيقي؛ إما أن تعود إلى روحها الأولى كحركة تحرر وطني تقودها القاعدة وتحتكم إلى الكفاءة والضمير، أو تستمر في دائرة الانغلاق التي تُضعفها يومًا بعد يوم. التاريخ لا يرحم، والحركات التي لا تجدّد نفسها من الداخل تُترك على هامش الزمن، والخيار ما زال ممكنًا، لكن الوقت لم يعد مفتوحًا.