مفاوضات السقوف العالية
عبد المجيد سويلم
مفاوضات السقوف العالية
ما كان يمكن أن تكون عليه النتيجة الأولى من الجولة الأولى للمفاوضات الأميركية الإيرانية بأفضل حال من الحال التي انتهت إليه، وكان من السذاجة أن تنتهي إلى نتيجة مغايرة.
واضح أن هذه الجولة لم تكن سوى الجولة الاستكشافية الأولى والتي يهدف كل طرف لقياس ردّة فعل الطرف الآخر على هذه السقوف العالية، في محاولة للتعرّف على حدود معينة من «التنازلات» الممكنة، وعلى حدود أخرى من «العناد والتمترس والتمسّك» المتوقعة.
ولا أظنّ أن هذه الجلسة، أو الجلسات الأولى كانت دون فوائد، وفوائد كبيرة، لأن كل طرف أصبح قادراً على تحديد الإطار العام لمساحة ومنطقة خطوط الوسط، ومنطقة «التجسير»، وزوايا التقاطعات، وكذلك عُقد ومُنعرجات المسائل «الميّتة» والراكدة والخاملة.
وبصرف النظر عن قوائم المطالبات الطويلة التي عبّرت عنها الأطراف، و»أصرّت» عليها، فإن كل المؤشّرات والدلائل تتركّز حول مضيق هرمز، إذ ترى أميركا أن فتح المضيق، وتخلّي إيران عن التحكّم المباشر به هو مقياس «حُسن النوايا» لمفاوضات حقيقية، وهو بمثابة «الشرط» الضروري، والمعيار الأوّل لجدّية هذه المفاوضات، في حين أن إيران تعتبر أن فتح المضيق هو النتيجة النهائية للاتفاق، وهو ما يجب أن يُتّفق على تفاصيله من زاوية الإشراف عليه من قبل إيران وعُمان مع ضمانات دولية تحت الإشراف الإيراني.
تدرك إيران أن المضيق هو مربط الفرس في هذه المفاوضات، وتدرك، أيضاً، أن المضيق ــ على عكس ادعاء أميركا ــ هو مركز الاهتمام الأوّل بالنسبة للأخيرة، وأنه هو بالذات اليد التي تؤلم الاقتصاد العالمي، وأن استمرار إغلاقه سيؤدّي إلى انفجارات اقتصادية واجتماعية عالمية لا يمكن التحكّم بنتائجها، أو حتى توقع درجة تفاقمها، ولا مديات امتداداتها الأفقية والعمودية.
وفي الحقيقة فإن إيران تدرك وتعي بعمق أن المضيق هو السلاح الأقوى الذي تمتلكه في هذه المفاوضات، وهو بمثابة السلاح النووي الاقتصادي الذي لن يجرؤ «الغرب» على «المغامرة» باللعب العسكري به، أو المقامرة بإرغام إيران على تدمير إمكانية أن يُفتح في غضون عدّة شهور أو حتى سنوات. ليس هذا كلّه فقط، وإنّما تدرك إيران أن فرصتها التاريخية أصبحت سانحة ومتاحة لشرعنة سيطرتها عليه، وشرعنة إدارتها له.
والحقيقة أن بقية القضايا والمطالب من الزاوية الأميركية هي قضايا قابلة للحلّ، وذلك لأن الخلافات على الملفّ النووي محصورة في التخصيب ونسبته، والخلافات بشأن البرنامج الصاروخي لم تعد من القضايا «الملحّة»، وقضية التعويضات متضمّنة في الرسوم على المرور، وقضية «المحور» قابلة للحل في حال تمّ التوصل إلى نظام إقليمي للأمن في المنطقة، وفي حال إن تم التوافق على حلول ناجعة لقضايا الصراع في كامل إقليم الشرق الأوسط.
باختصار، تحوّل المضيق إلى مفتاح الحلّ الأوّل، وتحوّل التفاوض حول شروط فتحه من عدمه إلى اللغز أو السرّ في هذه المفاوضات. بل أكثر من ذلك، فإن اللجوء إلى فتحه «بالقوة» لا يعني سوى الحرب البرّية، وليس سوى دخول أميركا في حرب لم تكن قادرة على خوضها، وكان من المؤكّد أن تخوضها لو كانت قادرة، وهي حرب تشي بأن المصالح الإسرائيلية هي من تقف خلفها وتتبنّاها بالكامل، وهي مصالح لم تعد تحظى بالأولوية الأميركية بعد أن «اكتشفها» المجتمع الأميركي، واكتشف أنها لم تعد تربطها بالمصالح الحيوية الأميركية نفس الدرجة من الترابط، ولم يعد مقبولاً على ما يبدو أن تُساق القوات الأميركية إليها لخدمة برامج اللوبيات الصهيونية والإسرائيلية.
والمغامرة والمقامرة الأميركية بالعودة إلى الحرب، أو حتى محاولة حصار وخنق إيران ستجبر الأخيرة على اتخاذ الكثير من «الإجراءات والتدابير» التي من شأنها أن تعيد خلط كامل أوراق الصراع في الإقليم بما فيها التوجّه الجادّ والنهائي نحو تصنيع السلاح النووي علناً، وعلى رؤوس الأشهاد.
دولة الاحتلال لا تملك سوى أن تستمرّ في الحرب العدوانية على لبنان، وأن تستمر في الحرب الهمجية على قطاع غزّة، وحتى في الحرب على الجنوب السوري دون أن تتمكّن من حسم شيء على الإطلاق، وتواصل التهديد بقصف إيران دون أن «تكسر الجرّة» أو المغامرة بكسرها لأن إيران ستعود إلى التهديد بحرق البنى النفطية في الخليج العربي طالما أن أميركا ودولة الاحتلال تحاولان التعرّض للبنى الإيرانية.
هذا إضافة إلى أن قيام دولة الاحتلال بقصف إيران سيؤدّي حتماً إلى تدمير البنى الإسرائيلية بما في ذلك بنى الطاقة، وبقية البنى التحتية.
ومن هذه الزاوية فإن العودة إلى الحرب لن تقدّم شيئاً، ولن تؤثر في مجراها، ولا في اتجاهها، ولا في نتائجها.
وإذا كان من نتائج متوقّعة لها في المديات المباشرة والبعيدة فإنها لن تكون سوى العودة إلى وتائر أكثر شدّة وعنفاً، ولن تكون سوى نسخة أشرس من حرب الـ»40» يوماً، مع فارق أنها ستكرّس مرحلة من «الاستنزاف» الذي سيُرهق الاقتصاد العالمي، والإنهاك السياسي والأمني في دولة الاحتلال، والانهيار السياسي في أميركا.
لم تكن إيران لتصل إلى هذا الحدّ من التحدّي لولا أنها قد حسبت كل حساباتها على هذا الأساس، ولولا أنها تعي بعمق الأوراق التي بحوزتها، والأدوات القادرة على أن تلعبها، ولولا أنها تعرف كيف تدير هذه الأوراق، وكيف تجعل منها، الأوراق الرابحة في هذا الصراع.
ومن المؤكّد أن الورقة الدولية تبقى الورقة الجوهرية الكبرى في يد إيران، إن كان في شقّها «الغربي»، أو كان في شقها «الشرقي»، وفي شقّ دول الجنوب كلها، فإيران تدرك تمام الإدراك، وهي تعي بعمق المستوى الذي وصلت إليه أميركا من عزلة سياسية، والمستوى الذي انحدرت إليه السياسة والسمعة الإسرائيلية، كدولة مارقة ومتوحّشة، وما بلغته من درجة في تهديد السلم العالمي.
لا تملك أميركا سوى أوراق العنف والتدمير، وأوراق المجازفة والمغامرة والمقامرة، في حين تمتلك إيران كل أوراق المناورة والمداورة، وهي تعرف، كما يبدو وكما أثبتت التجربة كيفية الاستثمار الفعّال فيها.
وحتى لو تمّت محاولة «تخويف» إيران بجولة عسكرية عنيفة فإنّ الردّ هذه المرّة سيكون ردّاً «تخويفياً» أعنف من كل المرّات السابقة، سواء تعلّق الأمر بالرد على بنية دول الجوار، أو سواء في الردّ على دولة الاحتلال. لا مناص من الاتفاق، ولا مجال سوى بالعودة إلى المفاوضات.
العالم ضاق ذرعاً بعوالم الأساطير والخزعبلات، واجترار المقولات القادمة من الخرافات التي حاولت أن تشتري من «المقدّس» قبل آلاف السنين، ما تبيع به بضاعة في القرن الواحد والعشرين، وتسوّقه كحالة «مؤكّدة» من «اندماج» التاريخ بالميثولوجيا «الدينية» المفبركة لكي تكون جاهزة للاستهلاك، وتكون جزءاً من الفعل الاستعماري بكل أشكاله، وصولاً إلى أكثر هذه الأشكال خسّة وانحطاطاً ورذالة.
وضاق العالم ذرعاً كذلك بكل هذه البهلوانية السياسية التي وصلت إليها أميركا «الترامبية»، والتي باتت في مرحلتها الأخيرة من أفولها وسقوطها الإمبراطوري تتقافز من بلد وآخر، دون أن تحقق نتيجة واحدة يمكن أن يعتدّ بها، أو حتى الاستمرار بالمراهنة عليها.
ولّت، وإلى غير رجعة الحروب التي كانت تربحها أميركا دون أن تخوضها، وانتهى عصر غزواتها العسكرية بهزائم مذلّة، وانتهى عصر التهديد بـ»الإبادة والمحو»، وأصبح مجرّد الصمود والإرادة بالتصدي سلاحاً قادراً على كسر منطق القوة، ومنطق الهيمنة، وتحوّلت الحروب إلى كلفة لا تقوى أميركا على تحمّل تبعاتها.
أما دولة الاحتلال فليس أمامها سوى أن تنتقل من حرب إلى أخرى في رحلة البحث عن إنجاز واحد، وعن حسم أكيد واحد منذ أن ربحت حرب حزيران 1967 وحتى الآن، ولولا حالة العرب المتردّية لما امتلكت القدرة حتى على خوض كل الحروب التي خاضتها طوال أكثر من خمسين عاماً من محاولاتها.
انتهت حروب الحسم السريع، وانتهت حروب حسم الحروب من الجوّ، وانتهت الحروب التي تُخاض في بلاد العدوّ، وانتهت الحروب التي يؤيّدها «الغرب» كلّه، وانتهت الحروب التي يدفع «الغرب» كلفتها، ويدافع الأخير عن «شرعيتها».
لم يتبقّ من ذلك كله سوى النزر القليل، وفقدت دولة الاحتلال كل الأسلحة التي ساعدتها على ربح حروبها ولو جزئياً، لأن الجديد في هذه الحروب هو أنها لم تعد مطروحة للربح والخسارة فقط، لأنها تحوّلت إلى حروب تنهش من جسد الدولة والمجتمع، وإلى حروب للبقاء والوجود، وكل ما يقوله أقطاب «اليمين» العنصري عن عصر الهيمنة الإسرائيلية لم يتبقّ له من أسانيد سوى في تلك الأساطير والخرافات التي افتضح أمرها بالكامل.