اليوم الخامس والعشرون للحرب على إيران: بين حسابات ترامب وتباين القراءات في إسرائيل
اليوم الخامس والعشرون للحرب على إيران: بين حسابات ترامب وتباين القراءات في إسرائيل
الكوفية مع دخول الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران يومها الخامس والعشرين، لا يبدو أن صورة النهاية قد اتضحت بعد، لا في الولايات المتحدة ولا في اسرائيل . فبينما تتواصل الضربات العسكرية وتتسع دائرة الاستعدادات الأميركية في المنطقة، تكشف التحليلات الإسرائيلية عن تباين واضح في فهم مسار الحرب وأهدافها وحدودها، بل وحتى في تقدير ما إذا كانت الإنجازات العسكرية الحالية قادرة على تحقيق الأهداف السياسية المعلنة.
في قراءة نشرها المحلل العسكري في صحيفة هآرتس عاموس هرئيل، يلفت إلى أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأجيل تنفيذ تهديده بضرب منشآت الطاقة الإيرانية عدة أيام لا يعكس بالضرورة اقتراب نهاية الحرب، بل قد يكون في جوهره محاولة لشراء الوقت من أجل حسم الخيارات الاستراتيجية المطروحة أمام الإدارة الأميركية. فبحسب هرئيل، سبق لترامب أن استخدم المفاوضات تحت ضغط الإنذارات كغطاء تكتيكي قبل تنفيذ عمليات عسكرية، ما يجعل الحديث عن تسوية محتملة مع طهران أمراً غير محسوم.
ويرى هرئيل أن المهلة الأميركية تخدم عدة أهداف في آن واحد: تهدئة أسواق الطاقة العالمية، واختبار إمكانية التوصل إلى صفقة مع إيران، وفي الوقت نفسه استكمال الحشد العسكري الأميركي في المنطقة تحسباً لفشل المفاوضات. وفي حال تعثر الاتصالات، تظل خيارات التصعيد العسكري قائمة، بدءاً من فتح مضيق هرمز بالقوة، مروراً بالسيطرة على جزيرة خرج النفطية، وصولاً إلى ضرب منشآت الطاقة الإيرانية. لكن هرئيل يشير في الوقت ذاته إلى أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل قد لا تكون متطابقة بالكامل في هذه المرحلة، إذ قد يقبل ترامب بتسويات لا ترضي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إذا رأى أن استمرار الحرب سيقود إلى تورط أميركي أعمق في الخليج أو إلى أزمة طاقة عالمية طويلة.
في المقابل، يركز الباحث الإسرائيلي دافيد جندلمان في تحليله على البعد العسكري الميداني للحرب، مشيراً إلى أن الضربات الإسرائيلية استهدفت آلاف المواقع العسكرية داخل إيران، بما في ذلك منصات إطلاق الصواريخ ومخازنها ومراكز الإنتاج. وبحسب تقديره، فإن هذه العمليات أدت إلى تراجع واضح في حجم إطلاق الصواريخ الإيرانية مقارنة بالأيام الأولى للحرب.
لكن جندلمان يقر في الوقت نفسه بأن إيران ما زالت تحتفظ بقدرات صاروخية كافية لمواصلة إطلاق رشقات محدودة حتى نهاية الحرب، ما يعني أن الهدف الإسرائيلي المتمثل في تحييد كامل للقدرات الصاروخية لم يتحقق بعد. ومع ذلك، يرى أن الاستراتيجية الإسرائيلية التقليدية لا تقوم بالضرورة على القضاء الكامل على قدرات الخصم، بل على إلحاق ضرر واسع بها بحيث يستغرق إعادة بنائها سنوات طويلة قبل الجولة التالية.
أما الباحث في صحيفة يديعوت أحرونوت ميخائيل ميلشتاين فيقدم قراءة أكثر نقدية للأهداف التي أعلنها نتنياهو للحرب، والتي تشمل تدمير البرنامج النووي الإيراني، وتحييد القدرات الصاروخية، وخلق ظروف تسمح بتغيير النظام في طهران. ويرى ميلشتاين أن الهدفين الأولين يمكن قياسهما نسبياً عبر تقييم حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات النووية والصاروخية، لكن الهدف الثالث – أي تغيير النظام – يبقى هدفاً غامضاً وصعب التحقيق.
ويحذر ميلشتاين من أن الفجوة بين الإنجازات العسكرية والأهداف السياسية قد تدفع إسرائيل إلى الانزلاق نحو حرب طويلة من دون حسم واضح، خاصة إذا استمر الاعتقاد بإمكانية إعادة تشكيل الواقع السياسي في المنطقة عبر القوة العسكرية وحدها. فالتجارب السابقة، بحسب رأيه، أظهرت أن ضرب القيادات أو المؤسسات الأمنية لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الأنظمة أو الحركات المسلحة، كما لم يؤدِ إلى انهيار حركات مثل حماس أو حزب الله رغم سنوات طويلة من المواجهة.
وفي سياق موازٍ، يشير الصحافي الإسرائيلي عميحاي شتاين إلى أن التقديرات السائدة لدى بعض الجهات في إسرائيل والولايات المتحدة ما زالت تفترض أن فرص التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران تبقى محدودة في هذه المرحلة، رغم الاتصالات الجارية عبر وسطاء إقليميين. فحتى لو جرى التوصل إلى تفاهم مؤقت حول مضيق هرمز أو وقف إطلاق النار، فإن الملفات الأكثر تعقيداً – وعلى رأسها البرنامج النووي والصواريخ الباليستية – ستظل عقبات كبيرة أمام أي تسوية شاملة.
من جهته، يحذر الباحث الإسرائيلي حنانئيل أفيف من أن بعض التقديرات الغربية قد تبالغ في الرهان على إمكانية إحداث تغيير سياسي داخل إيران عبر الضغوط العسكرية أو التفاهمات السياسية. فبنية النظام الإيراني، بحسب رأيه، تقوم على شبكة واسعة من القوى المتشددة المرتبطة بالحرس الثوري، وهي قوى يصعب تفكيكها أو تجاوزها حتى في حال حدوث تغييرات داخل القيادة السياسية.
هكذا تكشف القراءات الإسرائيلية المختلفة عن صورة معقدة للحرب بعد خمسة وعشرين يوماً من اندلاعها: إنجازات عسكرية ملموسة، لكن من دون حسم استراتيجي واضح، وتقدم في إضعاف بعض القدرات الإيرانية يقابله غموض متزايد حول النهاية السياسية للحرب. وبينما يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية، يبدو أن القرار الحاسم بشأن مسار الحرب لا يزال في واشنطن، حيث سيحدد قرار ترامب ما إذا كانت الحرب ستتجه نحو تسوية سياسية، أم نحو مرحلة جديدة من التصعيد في الخليج.
أما على مستوى المآلات، فتشير هذه القراءات الإسرائيلية إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة للحرب: الأول، التوصل إلى تسوية جزئية تقود إلى وقف إطلاق النار من دون تحقيق الأهداف القصوى التي رُفعت في بداية الحرب، وعلى رأسها تغيير النظام في إيران؛ الثاني، استمرار الحرب لفترة أطول عبر تصعيد محدود يهدف إلى تحسين شروط التفاوض؛ أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فهو انزلاق المواجهة إلى تصعيد إقليمي أوسع في الخليج أو لبنان، وهو احتمال تحاول واشنطن تجنبه حتى الآن رغم استمرار الاستعدادات العسكرية.
غير أن القاسم المشترك بين هذه السيناريوهات جميعاً هو حقيقة باتت تتكرر في التحليلات الإسرائيلية نفسها: الإنجاز العسكري لا يضمن بالضرورة الحسم السياسي. فبعد خمسة وعشرين يوماً من الحرب، تبدو إسرائيل قادرة على توسيع نطاق الضربات وإلحاق مزيد من الأضرار بإيران، لكنها ما زالت تفتقر إلى تصور واضح لكيفية تحويل هذه الضربات إلى نهاية سياسية للحرب. وبينما تستمر العمليات العسكرية في الميدان، ينتقل مركز القرار تدريجياً إلى واشنطن، حيث سيحدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما إذا كانت هذه الحرب ستُختتم بتسوية محدودة، أم أنها ستدخل مرحلة جديدة من التصعيد قد تتجاوز حدود المواجهة الحالية. وفي هذا المعنى، تبدو الحرب اليوم أقل ارتباطاً بسير المعارك نفسها، وأكثر ارتباطاً بالسؤال السياسي الأكبر: كيف يمكن إنهاء حرب بدأت أهدافها أكبر بكثير من قدرتها الواقعية على التحقيق؟