نشر بتاريخ: 2026/03/11 ( آخر تحديث: 2026/03/11 الساعة: 16:15 )
بقلم: شريف الهركلي

أُكلتُ يوم أُكلَ الثور الأبيض… من التالي بعد إيران في زمن الفتوة الدولية المفرطة؟

نشر بتاريخ: 2026/03/11 (آخر تحديث: 2026/03/11 الساعة: 16:15)

الكوفية ما الذي تريده الولايات المتحدة وإسرائيل من إيران؟

هل الهدف إسقاط النظام الإيراني غير المتناغم مع سياسات الهيمنة الدولية، أم إنهاك الدولة الإيرانية واستنزاف شعبها حتى تتآكل قوتها من الداخل؟

هذه الأسئلة لم تعد مجرد تحليلات عابرة، بل أصبحت جزءاً من مشهد دولي يتشكل على وقع الحروب والذرائع التي تُصنع بعناية قبل أن تتحول إلى مبررات كبرى للصراع.

في غزة، شاهد العالم حرباً مدمرة استمرت أكثر من عامين، دُكّت خلالها مدينة صغيرة محاصرة بقوة عسكرية هائلة، بينما وقف العالم العربي والغربي متفرجاً يراقب المشهد وكأن المأساة تُبث على شاشة بعيدة. واليوم يتكرر المشهد في سياق مختلف مع إيران، ولكن بحجم إقليمي أكبر وتعقيد دولي أعمق.

الذرائع في الحالتين تبدو مختلفة في ظاهرها، لكنها متشابهة في جوهرها؛ فغزة كانت تحت عنوان الأسرى الإسرائيليين، أما إيران فالعنوان هو البرنامج النووي. وبين الذريعتين يبرز السؤال الأخطر: من يصنع هذه المبررات؟ ومن يضخمها إعلامياً وعسكرياً حتى تصبح طريقاً معبّدة للحروب؟

الاستراتيجية الظاهرة تقوم على مزج أدوات متعددة: ضغط عسكري، وحصار اقتصادي، وحرب نفسية وإعلامية تهدف إلى إضعاف الجبهة الداخلية. فإسقاط الدول لم يعد يعتمد فقط على الصواريخ والطائرات، بل على تفكيك التماسك الداخلي وإشاعة الشكوك والانقسامات داخل النظام والمجتمع.

وتبدو بعض الخطط السياسية وكأنها تراهن على الداخل الإيراني نفسه. فالمقاربة التي يلوّح بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقوم على مداعبة الشارع الإيراني ومحاولة خلق تصدعات داخل بنية النظام، بحيث تسقط “القلعة الإيرانية” من الداخل قبل أن تُهزم من الخارج.

لكن التاريخ القريب يذكّر بأن إيران خاضت حرباً قاسية مع العراق استمرت ثماني سنوات وخرجت منها رغم الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة. واليوم تتكرر أدوات الصراع نفسها: قوة عسكرية مفرطة من جهة، وحرب نفسية وإعلامية من جهة أخرى تُصوِّر النظام الإيراني وكأنه يعيش حالة ارتباك أو عجز عن إدارة معاركه.

وفي ظل غياب قوة دولية رادعة، تبدو واشنطن أكثر ثقة في قدرتها على فرض وقائع جديدة. فجزء من العالم يشاركها المعركة، وجزء آخر يسهّل مهامها، وجزء يلتزم الصمت المغلّف بالخوف، بينما تراقب قوى كبرى منافسة مثل روسيا والصين المشهد بصمت حذر تحكمه حسابات معقدة وخشية من الانزلاق إلى مواجهة دولية مفتوحة.

وهنا تستحضر الذاكرة السياسية الحكمة العربية القديمة: "أُكلتُ يوم أُكلَ الثور الأبيض". فالتاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى لا تسقط دفعة واحدة، بل تُستنزف واحدة تلو الأخرى. فإذا تُركت دولة لتواجه مصيرها وحدها، فإن سقوطها قد يتحول إلى مقدمة لسقوط توازنات أكبر.

قد يكون الثور الأبيض اليوم هو إيران، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقلق: هل يأتي الدور لاحقاً على الثور الأحمر… روسيا؟ أم على الثور الأسود… الصين؟ فمعارك الهيمنة في التاريخ لا تتوقف عند ضحية واحدة، بل تتقدم خطوة بعد أخرى حتى تعيد رسم ميزان القوة في العالم.

إن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بإيران، بل بمستقبل النظام الدولي كله. فالعالم يقف أمام لحظة اختبار حقيقية: هل ما زال قادراً على حفظ التوازن بين القوى الكبرى، أم أننا ندخل عصراً جديداً تحكمه الفتوة الدولية المفرطة حيث تتحول القوة وحدها إلى لغة السياسة وميزان العدالة؟

فالتاريخ يثبت أن شهية الهيمنة إذا انطلقت قد لا تتوقف بسهولة، وأن سقوط لاعب كبير قد لا يكون نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة يُعاد فيها رسم خرائط العالم بصمت… أو ببرودة نار السياسة.