تقدير موقف.. الحديث حول وقف حرب ترامب نتنياهو - وإيران ترسم المشهد في المنطقة
تقدير موقف.. الحديث حول وقف حرب ترامب نتنياهو - وإيران ترسم المشهد في المنطقة
الكوفية تقدير موقف
الحديث حول وقف حرب ترامب نتنياهو - وإيران ترسم المشهد في المنطقة
كتب فراس ياغي
بداية لا أعتقد أن الواقع الميداني والتوجه الإيراني والموقف الإسرائيلي يُشير إلى وقف العدوان على إيران، في حين الأمريكي يتخبط ولديه توجه بهذا الخصوص، ولكن هذا التوجه مشروط بما سيحصل عليه الرئيس ترامب حتى لو كان ذلك لا يعكس الواقع، أقصد هنا أنه يريد الظهور بمظهر المنتصر.
إذا فإن مواقف الفاعلين الرئيسيين في المعركة الكبرى متباعدة حتى الآن والجسر بينها يحتاج كما يبدو لبعض الوقت، وكنت سابقًا قد تحدثت بأن هذه المعركة المصيرية قد تستغرق أسبوعين، واليوم أقول أن الأسبوعين هما الحد الأدنى وليس الحد الأعلى، لماذا أقول ذلك؟
أولًا- من دون أن تحقق إيران اتفاقًا دائمًا لوقف أي اعتداء عليها مستقبلاً وبشكل نهائي فلن تذهب إيران لأي وقف لهذه المعركة بل ستأخذها نحو معركة استنزاف طويلة جدًا، لأن هذه حرب مصيرية ووجودية وتخوضها إيران بالنيابة عن الصين في الصراع الأمريكي-الصيني على الهيمنة على اقتصاد العالم، أو كما قال الزميل هاني المصري "لمنع اعتلاء الصين عرش العالم اقتصاديًا"، إضافة إلى أن إيران تخوض هذه المعركة أيضًا بالنيابة عن دول المنطقة ككل لمنع الهيمنة الإسرائيلية عليها، لكن الغريب في الأمر أن الصين وروسيا يفهمون ذلك جيدًا لذلك يقفون ويدعمون إيران، في حين أن دول المنطقة رغم معرفتها بذلك فإنهم يقفون في الخندق الآخر حتى لو ظهروا بشكل المحايد، لكن الواضح أنهم متحالفون مع المعتدين الأمريكيين والإسرائيليين.
إذا مسألة الذهاب لوقف العدوان لها متطلباتها، وأول وآخر ذلك هو حصول إيران على اتفاق دائم وشامل، دائم من حيث رفع العقوبات كاملة مقابل الاتفاق على الملف النووي فقط لا غير ولكن ليس مع إدارة ترامب التي استغلت المفاوضات للتحضير للاعتداء على إيران، والاتفاق يكون وفق الحدود الدنيا التي طرحتها إيران في جنيف في الجولة الثانية للمفاوضات مع الأمريكي، وشاملة بحيث تشمل لبنان وتؤدي لوقف العدوان الإسرائيلي عليها والانسحاب بشكل كامل من لبنان، اتفاق كهذا إن تم يجب أن يكون بضمانات صينية وروسية وأممية "مجلس الأمن"، وبما يمثل ذلك من واقع جيوسياسي عالمي جديد، ويضاف إلى ذلك خروج الأمريكي من منطقة الخليج وهو واقعياً خرج فلا قواعد "تحولت القواعد إلى غبار نتيجة القصف الإيراني" ولا أسطول خامس موجود، يذكر أن الشهيد القائد خامنئي عندما استشهد الشهيدان قاسم سليماني والمهندس، قال: "الثأر لِدمائهم يكون بإخراج الأمريكي من المنطقة".
ثانيًا- الإسرائيلي لا يرى أي فائدة من أي وقف للعدوان، ويرى أن زيادة وتيرة المعركة والقصف الجوي على كل مقدرات إيران هو السبيل الوحيد للذهاب لوقف إطلاق النار دون أي اتفاق، وبما يؤسس على المدى المتوسط مع استمرار العقوبات وتشديدها إلى خلق أزمة داخلية قد تؤدي إلى احتجاجات شعبية تؤدي لإسقاط النظام، والذهاب إلى حسم ملف لبنان بالقوة العسكرية كما غزة وفرص منطقة عازلة عبر احتلال جزء واسع من الجنوب اللبناني، طبعا إذا استطاع لذلك.
ثالثًا- الأمريكي مستعد للذهاب لوقف العدوان بمفهوم لا غالب ولا مغلوب ولكن دون أن يعني ذلك الذهاب لاتفاق وفق الرؤيا الإيرانية، وبما يترك ذلك للرئيس ترامب ليعلن ويقول: أنه تم تدمير القوة الصاروخية والقوة البحرية وتم التأكد من منع إيران من تهديد جيرانها وأن أمريكا أصبحت متأكدة بأن لا قدرة لإيران على امتلاك السلاح النووي، طبعا كل ذلك لا يمكن الإعلان عنه دون موافقة إيران على وقف إطلاق النار، أي أن الأمريكي يريد أن يبقي الحرب مستمرة ولكن بالطريقة الناعمة، العقوبات وتشديدها وبما سيؤدي لمضاعفات أكبر بكثير عما كانت عليه خاصة بعد الدمار الهائل والخسائر الكبيرة التي تعرضت لها إيران.
وفقا للمواقف أعلاه، وللمعطيات الميدانية على الأرض من حيث قدرة إيران على استمرار ضرب الصواريخ خاصة النوعية والمؤثرة على إسرائيل وعلى القواعد الأمريكية في المنطقة، إضافة إلى قدرة حزب الله غير المسبوقة على التعافي وعلى الاشتباك مع الإسرائيلي بقواعد أقرب إلى ما كان عليه حزب الله عام 2006، من حيث التكتيك ومن حيث الاستهدافات النوعية ومن حيث كثافة النار على مستوطنات الشمال الإسرائيلي، فهذا وحده يشير إلى عدم وجود توجه لوقف المعركة دون إنجاز واضح، فلا إيران ولا حزب الله ولا حلفاؤهم الآخرون سيذهبون لأي اتفاق دون تثبيت معادلة جديدة في المنطقة تؤكد فيها على التعددية وتمنع الاستفراد الإسرائيلي بها.
كما أن الإسرائيلي وبالذات نتنياهو لا يريد أن يضيّع إنجازاته العسكرية التكتيكية التي تحصّل عليها في السنتين والنصف الماضيتين، لأنه يبحث عن معركة إنجاز مستقبلي يسميها نتنياهو "تغيير جيوسياسي حاسم"، لذلك وقف المعركة الآن ليس في مصلحته مطلقًا، وحديث رئيس هيئة الأركان إيال زامير للجبهة الداخلية واضح، حيث قال: "يجب الصبر والتحمل، لأن المعركة طويلة".
أما الأمريكي فقد ورطته إسرائيل وسوف يتورط أكثر، إلا إذا جن جنون ترامب وفاجأ الجميع بالانسحاب من كل المنطقة، وهو حقيقة انسحب، فلا وجود لأسطوله الخامس الآن في منطقة الخليج، وكما يظهر الأمريكي بدأ المعركة ولا يعرف كيف يخرج منها، والأعباء يومًا بعد يوم تزداد وبالذات اقتصاديًا وعلى مستوى العالم، عدا عن الخسائر العسكرية في العتاد والجنود.
إذا من السابق لأوانه الحديث عن وقف للنار المتأججة في المنطقة وفي دول الخليج بالذات، لأن من سيحدد نهاية الحرب ومنذ البداية هي إيران ولا أحد غيرها.
بعد استشهاد المرشد المرجعية الأولى للشيعة إلى جانب المرجع السيستاني، والقائد العام لإيران، وبعد استشهاد ثلة من القادة الكبار وسقوط المدنيين من تلاميذ ورياضيين وأطفال وغيرهم، وبعد كل هذا الدمار، فلا يمكن لأي قيادي في إيران الذهاب لأي وقف لإطلاق النار بدون إنجاز واضح يراه الشعب الإيراني ويلمسه في حياته اليومية، وبعد انتخاب السيد الثوري مجتبى مرشدًا وقائدًا عامًا لإيران فقد سُدّت كل الطرق الوسطية، ولا وقف للمعركة دون الموافقة على الشروط الإيرانية.
أما ما حل من تدمير في إيران، فبالتأكيد ستبنيه الصين وفي سنوات قليلة، لأنها تعلم أن إيران خط دفاعها الذي لا غنى عنه، كما أن أي وقف للحرب سيكون بتنسيق مع الصين وروسيا، وهذا ما يحدث الآن، والاتصال التلفوني بين الرئيس ترامب والرئيس بوتين شاهد عيان على الواقع الجيوسياسي الذي يتشكل.
الخلاصة
لا اتفاق ولا وقف للمعركة حتى تحقق إيران ما تريد، وهو يشمل وضع حد للوجود الأمريكي في دول الخليج بالحد الأدنى وسوف تحصل عليه، وتريد بالحد الأدنى اتفاقًا يشمل رفع العقوبات عن إيران، وقف الحرب بشكل تام على لبنان، ووضع ميثاق اتفاق حول الملف النووي بضمانات صينية وروسية، يبدو أن إيران ترسم المشهد الجيوسياسي في المنطقة والعالم، ويبدو أن أيام نتنياهو أصبحت معدودة وتحسب مع كل صاروخ يسقط على الداخل الإسرائيلي، ويبدو أن غضب الرئيس ترامب لن يطول كثيرًا على نتنياهو فقد أوقعه في فخ لا يعرف كيف يخرج منه من دون تنازلات كبيرة.
شروط إيران واضحة: ضمانات بمنع الاعتداء عليها مرة أخرى، خروج الولايات المتحدة عسكريًا من المنطقة وبالذات دول الخليج، لا مفاوضات نووية مع إدارة ترامب بل قبول وساطة أوروبا وروسيا والصين وسلطنة عمان ومصر كأطراف إقليمية، التمسك بالثلاثي "النووي السلمي، برنامج الصواريخ، حق المقاومة"، ولا اتفاق لا يشمل لبنان، غير ذلك فالمعركة طويلة وذاهبة نحو مفهوم الاستنزاف.