هل تعود إذاعة صوت الشباب للبث بين خيام نازحي غزة؟
بقلم: شريف الهركلي
هل تعود إذاعة صوت الشباب للبث بين خيام نازحي غزة؟
الكوفية في زمن الحرب والخراب، لم تكتفِ الآلة العسكرية الإسرائيلية بتدمير الإنسان والحجر، بل سعت أيضاً إلى تحطيم نوافذ الحياة كافة، ومنها النوافذ الإعلامية التي كانت تُطلّ على روح المجتمع. فالمؤسسات الإعلامية في غزة لم تكن مجرد مبانٍ وأجهزة بث، بل كانت ذاكرة يومية لشعب يقاوم بالصوت والكلمة. ومع القصف والحصار وجفاف الإمكانات التشغيلية، تحولت كثير من هذه المنابر إلى حطام صامت، وغابت أصواتٌ كانت تنبض بالحياة.
ومن بين تلك الأصوات التي غابت عن الأثير، إذاعة صوت الشباب؛ الإذاعة التي اعتاد الغزيون أن يجدوا فيها مرآة لواقعهم ومنبراً لأحلامهم. كانت حاضرة في البيوت والمحال والطرق، وكأن لها جمهوراً يعرفها كما يعرف نبض قلبه. اليوم، وبين خيام النزوح التي تحولت إلى مدنٍ مؤقتة، وفي ظل تزاحم الأخبار الكبرى في الشرق الأوسط، يبدو الفراغ الإعلامي أكثر قسوة، وكأن الناس ينتظرون صوتاً وطنياً يروي حكايتهم من قلب المعاناة.
إن عودة بث إذاعة صوت الشباب لن تكون مجرد عودة تقنية لإشارة إذاعية، بل عودة لروح إعلامية قادرة على دعم الرواية الفلسطينية في لحظة تاريخية هي الأشد حاجة إلى الكلمة الصادقة. فالإعلام المسموع والمقروء والمرئي، على اختلاف أدواته، يشترك في عزف لحن واحد هو لحن الحقيقة الفلسطينية، التي تحتاج إلى كل منبر قادر على إيصالها إلى العالم.
لقد غابت الإذاعة، لكنها لم تغب من الذاكرة. فالصوت الذي خرج يوماً من استوديو صغير ليصل إلى القلوب، لا يمكن أن ينطفئ إلى الأبد. وربما كانت هذه الغيبة أشبه باستراحة مناضل أُجبر على إجازة قاسية فرضتها الحرب.
ويبقى السؤال الذي يتردد بين الشباب في غزة:
هل تعود إذاعة صوت الشباب؟
هل يعود إعلاميوها الذين توقفت حياتهم بين خيام النزوح، حيث يعيشون انتظاراً ثقيلاً بين الخوف والأمل؟
هل يعودون إلى غرف البث المعزولة عن ضجيج الحرب، حيث تتعانق الكلمة مع الصوت ليصلا إلى قلوب شعب أنهكه الصمت؟
لقد كانت هذه الإذاعة واحدة من التجارب الإعلامية الفلسطينية النوعية، ببرامجها الشبابية التي لا تشيخ، وهي نافذة تطل على حالة الضياع الفلسطيني في ظل ارتباكٍ سياسي طال أمده، فأعاق عربة العبور نحو حلم الوطن وأثقل الطريق إلى المستقبل.
وما أجمل أن يُعلَّق مذياع صغير على عمود خيمة، فيلتقط الناس نشرة أخبار صادقة، ثم يتسلل صوت الأغنية إلى القلوب، فيصدح الأثير بصوت فيروز وهي تغني:
"سنرجع يوماً إلى حيّنا… ونغرق في دافئات المنى"،
أو ترتفع حناجر فرقة العاشقين مرددة:
"راجعين راجعين… لبيوتنا راجعين"،
فتتحول الموجات الإذاعية إلى مساحة أمل يتمسك بها النازحون وهم ينتظرون لحظة العودة.
ويقول أحد الشباب بحرقة:
"قبل أن تصدأ آذاننا، أعيدوا لنا إذاعة صوت الشباب، حتى لا يتكئ الشباب على عكاكيز الضياع."
ففي زمن الحرب، لا يقتل القصف الحجر وحده، بل يحاصر الصوت أيضاً. وهنا يبرز السؤال المؤلم:
أم أن آذاننا تبرمجت على صوت القنابل بدل صوت الحياة؟
إنها دعوة صادقة لأصحاب القرار، ولكل من يملك القدرة على إعادة الحياة إلى هذا المنبر: أعيدوا صوت الشباب إلى الأثير، ليكون صوت الوطن والمواطن معاً. فربما يأتي يوم قريب، يُبث فيه عبر أثيرها البيان الذي ينتظره الجميع: انتهاء هذه الحرب المجنونة… وعودة الحياة إلى الحياة.