الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران.. قراءة في مآلات غزة ومستقبل حماس
المستشار د. أحمد يوسف
الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران.. قراءة في مآلات غزة ومستقبل حماس
الكوفية لا يكاد يمر يوم في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة إلا ويطرح الفلسطيني على نفسه سؤالًا جوهريًا: ماذا لو خسرت إيران الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟ وما الذي يمكن أن يترتب على ذلك بالنسبة لقطاع غزة ومستقبل حركة حماس؟ وفي المقابل، يبقى السؤال الآخر مشروعًا كذلك: ماذا لو صمدت إيران، ولم تنجح محاولات إسقاط النظام أو كسر قدراته العسكرية؟ كيف سينعكس ذلك على غزة وعلى مستقبل حماس كقوة سياسية فاعلة في المشهد الفلسطيني؟
هذه الأسئلة لا تنبع من فراغ، بل من إدراكٍ عميق لدى الفلسطينيين بأن الصراع في المنطقة لم يعد محصورًا في جغرافيا محدودة، بل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية واسعة تتداخل فيها حسابات القوى الكبرى ومشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
السيناريو الأول: خسارة إيران وتداعياته على غزة
إذا افترضنا أن إيران خسرت الحرب، سواء عبر ضربة عسكرية حاسمة أو عبر إنهاك استراتيجي يؤدي إلى إضعاف النظام أو تغيير طبيعته السياسية، فإن ذلك سيترك تداعيات واضحة على خريطة القوى في المنطقة. فمن المعروف أن إيران تُعد أحد أبرز الداعمين الإقليميين لمحور المقاومة، الذي يشمل قوى مثل حزب الله في لبنان وبعض الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس والجهاد الإسلامي.
في هذا السيناريو، قد تجد حماس نفسها أمام واقع إقليمي أكثر صعوبة، إذ سيعمل التحالف الأمريكي–الإسرائيلي على استثمار لحظة الضعف الإيرانية لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني، وربما الدفع نحو ترتيبات سياسية وأمنية جديدة في قطاع غزة. وقد يظهر الحديث مجددًا عن صيغ مثل الوصاية الدولية أو الإدارة المؤقتة للقطاع، أو تشكيل حكومة تكنوقراط أو لجنة مهنية لإدارة الشؤون المدنية، مع محاولة تقليص الدور السياسي والعسكري للحركة.
غير أن أخطر ما يخشاه الفلسطينيون في هذا السياق ليس فقط إعادة تشكيل المشهد السياسي في غزة، بل احتمال أن تستغل إسرائيل لحظة تفوقها العسكري والسياسي لفرض واقع جديد يقوم على التهجير القسري لسكان القطاع. فمثل هذا الاحتمال يظل حاضرًا بقوة في الوعي الفلسطيني بوصفه الطامة الكبرى، إذ يعني إعادة إنتاج مأساة النكبة بصورة أكثر قسوة. ولذلك فإن كثيرين يرون أن أي اختلال كبير في ميزان القوى الإقليمي قد يفتح شهية اليمين الإسرائيلي المتطرف لتمرير مشاريع طالما طُرحت في الخطاب السياسي الإسرائيلي.
وفي هذا الإطار يمكن فهم موقف حركة حماس من المبادرات المطروحة لإدارة قطاع غزة في المرحلة المقبلة. فالحركة لم تعارض فكرة تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة الشؤون المدنية في القطاع، بل أبدت استعدادًا للتنسيق والتعاون معها إذا ما تم التوافق عليها وطنيًا. فنجاح مثل هذه اللجنة في إدارة المرحلة الانتقالية، وتولي مسؤوليات الحكم المدني وإعادة الإعمار، من شأنه أن يسد باب الذرائع أمام حكومة بنيامين نتنياهو واليمين الصهيوني المتطرف، التي تحاول تسويق رواية مفادها أن غزة لا يمكن أن تُدار إلا بترتيبات أمنية إسرائيلية أو بتهجير سكانها.
ومن هنا، فإن التعاطي الإيجابي مع فكرة لجنة التكنوقراط لا يُفهم باعتباره تراجعًا سياسيًا، بقدر ما يُنظر إليه كخطوة براغماتية تهدف إلى حماية الوجود الفلسطيني في غزة، وقطع الطريق على المشاريع التي تسعى إلى تفريغ القطاع من سكانه، وهو السيناريو الذي يخشاه الفلسطينيون جميعًا بمختلف انتماءاتهم السياسية.
السيناريو الثاني: صمود إيران وتراجع هيبة المشروع الأمريكي
أما إذا صمدت إيران في مواجهة الحرب، ونجحت في الحفاظ على نظامها السياسي وقدراتها العسكرية، فإن ذلك سيشكل تحولًا مهمًا في ميزان القوى الإقليمي. ففشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما سيعني، بالضرورة، تراجع هيبة المشروع الأمريكي في المنطقة، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة التوازن بين القوى الدولية والإقليمية.
في مثل هذا السياق، قد تجد حماس نفسها أمام مساحة أوسع للمناورة السياسية، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع تنامي أدوار قوى دولية أخرى، مثل الصين وروسيا، ومع تصاعد الأصوات الدولية المطالبة بإنهاء الاحتلال ووقف الحروب المتكررة على غزة.
كما أن صمود إيران قد يعزز فكرة أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإخضاع شعوب المنطقة أو كسر إرادتها السياسية، وهو ما قد يدفع بعض القوى الدولية والإقليمية إلى إعادة التفكير في مقارباتها تجاه القضية الفلسطينية، وفتح الباب أمام صيغ سياسية أكثر توازنًا.
بين الوصاية وإعادة الإعمار
في كلتا الحالتين، تبقى غزة أمام تحديات كبرى، تتعلق بإعادة الإعمار، وترتيبات الحكم، ومستقبل العلاقة بين الفصائل الفلسطينية. فالحديث عن لجنة تكنوقراط أو إدارة انتقالية قد يكون جزءًا من محاولات البحث عن صيغة تضمن الاستقرار وتخفف من معاناة السكان، لكن نجاح أي صيغة من هذا النوع سيظل مرهونًا بوجود توافق وطني فلسطيني حقيقي.
إن مستقبل غزة، في نهاية المطاف، لا يمكن أن يُبنى فقط على موازين القوى الإقليمية، بل على قدرة الفلسطينيين أنفسهم على صياغة رؤية وطنية مشتركة تُنهي الانقسام وتعيد ترتيب البيت الداخلي.
خلاصة المشهد
سواء خسرت إيران الحرب أو نجحت في الصمود، فإن حركة حماس ستبقى جزءًا من المشهد الفلسطيني، وإن بدرجات مختلفة من التأثير. فالقضية الفلسطينية أكبر من تحالفات إقليمية عابرة، وهي قضية شعب يعيش تحت الاحتلال منذ عقود.
ولعل الدرس الأهم في كل هذه السيناريوهات هو أن مستقبل غزة لن يتحدد فقط في غرف القرار الدولية، بل في قدرة الفلسطينيين على تحويل معاناتهم إلى مشروع سياسي جامع، يفتح الطريق نحو الحرية والاستقلال، ويعيد للقضية الفلسطينية حضورها في ضمير العالم.