الـحـرب ومـا بـعـدهـا
نبيل عمرو
الـحـرب ومـا بـعـدهـا
لم يكن المرشد علي خامنئي رأس النظام في إيران، بل كان أساسه ومركزه.
كما لم يكن القادة السياسيون والعسكريون، الذين تمّت تصفيتهم في الساعة الأولى من بدء الحرب، مجرد موظفين رفيعي المستوى، تتم تسمية من يأتون بعدهم، فجميعهم إن لم يكونوا كل النظام، فقد كانوا أهم أعمدته ورموز قوته.
من حق متابعي الصراع الإيراني مع أميركا مثلما هو من حق من تابعوا الحرب على «حماس» و»حزب الله» أن يتساءلوا، لماذا تتم تصفيات القادة كأولوية عند الجانب الإسرائيلي دون استبعاد تبني ذلك من الجانب الأميركي؟
ثم لماذا تتمكن الآلة الحربية الاستخبارية الإسرائيلية من النيل منهم، مع أن الشهداء القادة يعرفون أنهم مستهدفون، بل إن إسرائيل وأميركا كانتا تعلنان استهدافهم قبل فترةٍ من التنفيذ، ما يُفترض أن يوفّر مساحةً من الوقت لاتخاذ تدابير للنجاة من التصفية؟
صحيحٌ أن قداسة الاستشهاد في التراث الديني والتاريخي أمرٌ يعتنقه المجاهدون الذين يؤمنون بقول الحق جلّ وعلا، بأن الشهداء أحياءٌ عند ربهم يرزقون، وصحيح كذلك أن استشهاد القادة في غمار الحرب مبعث فخرٍ واعتزاز لمن يتقدمون الصفوف في المعارك، والذي قيل فيهم بحق، الأفضل منا جميعاً.
غير أن هذه الميزة المعنوية والتراثية المتعمقة في النفوس لا تُعفي من لزوم الحيطة والحذر، ليس من أجل النجاة الشخصية كالاختباء، وإنما لما يخلّفه اغتيال القادة من أثرٍ معنويٍ على من يقاتلون تحت قيادتهم، وهم أصحاب الخبرات التي تلزم لمواصلة الحرب، وتوفير أسباب كسبها.
الذين قتلوا المرشد وكبار القادة، الذين هم من أعمدة النظام ورموز قوته، يدركون وفق عقيدتهم العسكرية مغزى قتل القادة، خصوصاً إذا ما تمّ ذلك في بداية الحرب، وكما قلنا فهم لا يقتلون موظفين رفيعي المستوى، يتم تعيين خلفاء لهم في دقائق أو ساعات، بل إنهم يقتلون خبرةً مميزةً قد لا تحسم الحرب، ولكن ضررها الميداني لا يصح إنكاره أو تجاهله.
هذه الحرب التي يكاد يُجمع العالم على أنه كان بالإمكان تجنبها، تثير سؤالاً جوهرياً هو: ليس كم قتلت ودمّرت، ومن الذي قتل أكثر، وإنما كيف سيعالج العالم الأذى الذي يلحق بمصالحه جرّائها؟
من السذاجة المفرطة اعتبار اغتيال المرشد ونخبة من كبار معاونيه خطوةً حاسمةً نحو استبدال نظامٍ عمره نصف قرن، وله حاضنةٌ عقائديةٌ أتت به وتحميه، بنظامٍ مختلفٍ يوجد في ذهن ترامب وخيالاته، كما لو أنه وجبةٌ جاهزةٌ يمكن استدعائها وقتما يشاء!
لم يكن النظام الإيراني، الذي نُكثر من استخدام مفردة الملالي في وصفه، نظاماً عصرياً أو نموذجياً بالمواصفات الغربية، وحتى بمواصفات كثيرٍ من نُظم الإقليم وجزءٍ وازنٍ من مكونات الشعب الإيراني، إلا أن طريقة ترامب في استبداله بفعل عمليةٍ جراحيةٍ لا بد أن تنتج وضعاً مريراً من فراغٍ مدمر، وربما تنتج اقتتالاً داخلياً لا يولّد نظاماً جديداً واستقراراً في بلدٍ كبيرٍ وشعبٍ تكتظّ في نسيجه اختلافاتٌ قوميةٌ وعرقيةٌ ومذهبيةٌ وثقافيةٌ وسياسية، فضلاً عمّا يحيط به من دولٍ وقوىٍ لا تستطيع عزل نفسها عن تدخلها في شؤونه كرد فعلٍ بديهيٍ على تدخله في شؤونها.
الرئيس ترامب، الذي لم يجد في العالم كله توأماً له سوى بنيامين نتنياهو، يتجاهل حقيقة أن أكثر من نصف الشعب الأميركي لا يعتبره رئيس نظامٍ ديمقراطي، ولا مؤسساتيٍ ونموذجي، تماماً مثلما يعتبر جزءٌ كبيرٌ من الإسرائيليين نتنياهو كزعيمٍ فردٍ يشكّل خطراً على الحياة الديمقراطية والقضائية، وينتظرون بفارغ الصبر فرصةً سانحةً للإطاحة به، والتخلص من أنانيته وشخصنته المفرطة للسياسات والقرارات.
فهل هذان الاثنان يملكان مؤهلاً حقيقياً لتعيين نظامٍ سياسيٍ لبلدٍ بحجم إيران، وعلى شعبٍ كشعب إيران؟
إن الحفاظ على النظم وكذلك تغييرها لا يمكن أن يتم بتدخلٍ خارجي، خصوصاً أن هذا التدخل ينتج قتلاً ودماراً لا يُنسى.
الرئيس ترامب أغلق باب الحل السياسي الذي كان متاحاً وأقل كلفةً من حله العسكري الذي نصحه عقلاء المنطقة والعالم بتجنبه، وها هو يعود ثانيةً وفي اليوم التالي للحرب للحديث عن حلٍ سياسي، قال إنه صار أسهل!... كيف؟
ترامب لا يعرف من سيفاوض أثناء الحرب أو بعد توقفها، أو لمن سيرسل إلى الرجل المجهول ويتكوف وكوشنر، ليتحدثا معه عن ريفييرا إيران بعد ريفييرا غزة، وريفييرات التدخلات الأميركية الجراحية في كل مكان.