نشر بتاريخ: 2026/02/25 ( آخر تحديث: 2026/02/25 الساعة: 15:13 )
أشرف العجرمي

«مكتب الارتباط»: دور السلطة الوطنية في غزة

نشر بتاريخ: 2026/02/25 (آخر تحديث: 2026/02/25 الساعة: 15:13)

لا شك أن الخطوة التي أقدم عليها ممثل مجلس السلام نيكولاي ميلادينوف بالإعلان عن تشكيل جسم جديد «مكتب الارتباط» يربط بين السلطة الوطنية الفلسطينية وبين مجلس السلام الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لتنفيذ خطة العشرين نقطة، هي تطور مهم لتخصيص دور للسلطة في عملية الإغاثة والتعافي وإعادة إعمار قطاع غزة. وقد أعلنت السلطة من خلال نائب الرئيس حسين الشيخ ترحيبها بإعلان ميلادينوف وأن «مكتب الارتباط» قد دخل حيز التنفيذ وهو سيضطلع بمهامه برئاسة رئيس الوزراء محمد مصطفى.

في الواقع، لم تمنح «خطة ترامب» أي دور للسلطة الفلسطينية وقد تحدثت بصيغة غامضة وغير محددة عن هذا الدور. فما ورد في البند التاسع من الخطة هو الحديث عن حكومة انتقالية مؤقتة هي لجنة التكنوقراط التي «ستضع الإطار وتدير الأموال لإعادة تطوير غزة إلى أن تنجز السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحها». كما ورد في مقترحات مختلفة بما في ذلك خطة ترامب للسلام العام 2020، والمقترح السعودي - الفرنسي وتصبح قادرة بأمان وفعالية على استعادة السيطرة على غزة. والبند الآخر الذي أتى على ذكر السلطة هو البند 19 الذي يربط تقدم «عملية إعادة تطوير غزة» و»إصلاح السلطة الفلسطينية بأمانة» وبين إمكانية توفر الظروف «لمسار ذي مصداقية نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة». ويبدو أن الموقف الأميركي قد استجاب للموقف الإسرائيلي الذي يرفض عودة السلطة لغزة على اعتبار أن توحيد القطاع مع الضفة الغربية سيفتح من جديد ملف العملية السياسية وموضوع حل الدولتين، خاصة في ظل تنامي الاعتراف الدولي بدولة فلسطين بما في ذلك إقدام دول عظمى كفرنسا وبريطانيا على ذلك. ومع أن الإدارة الأميركية لديها موقف سلبي تجاه السلطة كان يمكن أن تستجيب للضغوط العربية بمنح السلطة دوراً لولا إصرار الحكومة الإسرائيلية على منع السلطة من أخذ أي وظيفة رسمية. وهذا ما كان يردده رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو «لا (حماس) ولا عباس».

وقد غاب التمثيل الفلسطيني في مجلس السلام وفي الهيئة التنفيذية. وهذا يعود أيضاً لدور السلطة خلال الحرب طبعاً بالإضافة للمواقف الإسرائيلية والأميركية. فالسلطة الوطنية لم تقم بدور حقيقي داخل قطاع غزة لا في مساعدات ولا أي إشراف إداري ولم تفعل جيش موظفيها للقيام بأي عمل يمكنه أن يجعل السلطة حاضرة شعبياً ومن ثم تمثيلياً ورسمياً، واكتفت بالعمل السياسي والدبلوماسي في الساحات الخارجية. وقد شكل الغياب في الميدان مثلبة أدت إلى عدم الاهتمام بدور السلطة. كما أن الإحجام عن الحوار مع «حماس» والاتفاق معها على مرحلة ما بعد الحرب أثر سلباً على دورها إقليمياً ودولياً.

السلطة والقيادة الفلسطينية لم تكن قادرة على رفض خطة ترامب، شأنها في ذلك شأن كل الأطراف الفاعلة فلسطينياً وعربياً. فنحن لم يكن لدينا ترف الرفض طالما يدور الحديث عن وقف حرب الإبادة التي تعرض لها شعبنا في غزة. وكان يجب القبول بأي مشروع من شأنه إنهاء عمليات القتل اليومية والتدمير الكامل لكل مقومات الحياة، حتى لو كان غير واضح المعالم فيما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية وبالذات الحديث صراحة عن تطبيق حل الدولتين كما نص على ذلك بيان اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي قادته السعودية وفرنسا.

غير أن القبول بهذه الخطة لا يعني التنازل عن الدور. والآن يبدو أن هناك تفكيراً دولياً بدور ما للسلطة. وهذا يبدو نتاجاً لتفكير أعمق حول مستقبل غزة. فغياب دور السلطة يعني حصول فراغ أمني وسياسي كبير. فإذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية المعنية والدول الغربية لا تريد بقاء سلطة «حماس» وتريد تجريدها من سلاحها بما في ذلك السلاح الفردي، فهناك حاجة لبديل فلسطيني مقبول شعبياً ووطنياً. ولا يوجد غير السلطة لتكون هذا البديل. طبعاً، الاحتلال يبحث عن الميليشيات المرتبطة به لتملأ الفراغ، وهذا لن يحصل. ولن يقبل الفلسطينيون بأي جهة مرتبطة بالاحتلال لتحكم بعد رحيله. وعليه فالتحدي الأكبر للسلطة هو كيفية استخدام «مكتب الارتباط» لتعزيز دورها ليس فقط في التواصل مع «مجلس السلام» والتنسيق معه بل وفي انتزاع دور فعلي على الأرض.

الدور القادم للسلطة يجب أن يكون مرتبطاً بعمل وثيق مع «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» التي يبدو أن مرجعيتها «مجلس السلام» والهيئة التنفيذية التي يقودها ميلادينوف. وهنا يتطلب الأمر سياسة على درجة عالية من الذكاء لتوظيف «اللجنة الوطنية» لتنفيذ خطة الحكومة وللربط الفعال بين ما يجري في غزة وبين الضفة الغربية. قد يبدو هذا الكلام جميلاً نظرياً ولكن صعب التطبيق على الأرض بفعل المعارضة الإسرائيلية وهذا صحيح، ولكنه ليس مستحيلاً إذا ما تعاملنا بذكاء وجندنا كل الموارد الموجودة في غزة وخاصة جيش موظفي السلطة والنشطاء لهذا الأمر. والحقيقة أن المواطنين في غزة تواقون لعودة السلطة وتوحيد شروط الحياة في المناطق الفلسطينية والتحرر من الوضع البائس الذي كان قبل وأثناء وبعد حرب الإبادة. فهل يتحول «مكتب الارتباط» إلى مقدمة لعودة غزة للشرعية؟.