سـنـة الـثـلـجـة
عبد الغني سلامة
سـنـة الـثـلـجـة
يوشك هذا الشتاء أن ينقضي، ولم نشهد تساقطا للثلج.. وما يدعو للتفاؤل أنه كان موسما ممطرا ومعتدلا.
في تراثنا الشعبي، كان الناس في سنوات الجدب والجفاف وانحباس المطر، أو حتى إذا ما تأخر سقوط المطر، ومرَّ تشرين دون أن يهطل منه شيء، يشعرون بالضيق والخوف، ويستجدون ربهم طلبا للغيث والمطر، وفي الثقافة الشعبية يتم الربط بين تأخر المطر وغضب الإله من معاصي البشر، فيقول المثل: «من قلة إهدانا انقلب صيفنا اشتانا»، وقديما كانت شعوب بلاد الشام عموما وفلسطين على وجه الخصوص تؤمن بآلهة المطر والخصب، وكان سكانها الأوائل يتقربون إليها بالقرابين والصلوات من أجل استرضائها لتمنحهم المطر والخصب والخير؛ فالكنعانيون عبدوا «عليان بعل» الذي يراقب المطر والمحاصيل، كما عبَدَ الأراميون «حدد» إله الصاعقة والبرق والرعد والمطر، وعند الفنيقيين كانت «بعلت جبيل» آلهة الخصب والتوالد.. وامتداداً لهذه الجذور التاريخية الغارقة في القِدم بقي شعبنا يمارس طلب الغيث والمطر من الله عز وجل. وحتى يومنا هذا تقام صلاة الاستسقاء في الخلاء والعراء علاوة على المساجد ومقامات الأنبياء والأولياء، وتتوسل النساء والأطفال الله سبحانه أن يُنزل المطر رأفة بحال الناس، ومن تلك الأغاني التي كان يرددها الناس:
يا رب بلِّه بلِّهْ.. واحنا تحتك بالقلِّة.. يا رب بل المنديل.. قبل نرحل قبل نشيل.. يا رب بل الشالة.. واحنا فقرية وشياله.. يا رب بل الشرموح.. واحنا فُكْريه وين نروح؟ (فُكْرية يعني فقراء).
من جهة أخرى، اقترن الشتاء في الذاكرة الشعبية بالكوارث والمحن، فعلى مدى قرون خلت كان الشتاء يأتي أحيانا محملا ببرودة شديدة وبالثلج والأمطار الغزيرة والعواصف العاتية، كان أغلب الناس في تلك الأوقات فقراء، بيوتهم بسيطة، لا تحتمل كل هذه الأهوال، وما يدخرونه من مؤونة بالكاد يكفيهم، وليست لديهم وسائل التدفئة المناسبة، ولم تتوفر لديهم بنية تحتية تتناسب مع تلك الظروف القاسية والاستثنائية، ففي تلك السنين القاسية كان الأهالي يعانون أشد المعاناة، يتعرضون للجوع، ولأمراض البرد القاتلة، ومنهم من ينهدم بيته من ثقل الثلج المتكوّم فوق سقفه، أو تقتلعه الريح العاصفة، فضلا عن دلف الأمطار من السقوف، ومن الشبابيك المتهالكة.
من الأمثلة القريبة في الذاكرة الشعبية، ما يسمونها سنة الثلجة الكبيرة، والتي حدثت في آذار العام 1911؛ فقد جاء ذلك الموسم الشتائي قاسيا جدا، قارس البرودة، على بلاد الشام كلها، ويُقال، إن الثلج تساقط أربعين يوماً متتالية، دون ذوبان، فكان الأهالي يفتحون أبواب بيوتهم ليجدوها مسدودة بالثلج، وبعد توقف الثلج جاء برد شديد وحصل الانجماد واستمر قرابة الشهر. حينها غُمرت المدن والقرى بالصقيع ووصلت الحرارة إلى عشر درجات تحت الصفر، وفي الليل كانت تهبط أحياناً إلى سبع وعشرين درجة تحت الصفر.
في تلك المحنة، انحبس الأهالي في بيوتهم، وانقطع سير القوافل، وقاسى الفقراء الأهوال، ونفدت المؤونة، والوقود، وتيبست الأشجار، وندر وجود الخشب للتدفئة، ومع شح الموارد ارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وتوقفت الأفران لعدم توفر الوقود. ونفقت الحيوانات والضواري في البراري، وقدرت عدد الأغنام النافقة بنصف مليون، وتوفي مئات المواطنين من شدة البرد، ومن الأمراض الصدرية، ومات المسافرون الذين كانوا في الطريق بردا أو افترستهم الضواري والذئاب.
كانت تلك سنة استثنائية كارثية، وقد تكررت مرة أخرى ولكن بدرجة أقل في شباط من العام 1950، أي بعد النكبة بسنتين وقبل أن يلملم اللاجئون جراحهم؛ وتسمى في الذاكرة الشعبية «سنة الثلجة»، والتي عمت عموم فلسطين، وكانت غير مألوفة من حيث قوتها. يستذكرها كبار السن، ويقولون، إنها أكثر مرة خلال حياتهم تساقطت فيها الثلوج، وكانت بكثافة عالية، وقد عاش الناس حينها ليالي صعبة جداً في البرد الشديد، وكانت أوضاعهم الاقتصادية في تلك الفترة قاسية للغاية، لا يملكون سوى بعض الأغطية الخفيفة والقليل جدا من المؤونة، فكانت من أسوأ ذكريات النكبة، وأكثر الأحداث التي أشعرت اللاجئين بمرارة الذل والحرمان.
وهناك ثلجة كبرى أخرى حدثت العام 1934، ولكنها لم تكن بقوة ثلجة 1950. وتلاها ثلجة كبرى في العام 1972، وأخرى في العام 1983، وثلجة 1992 الشهيرة، كانت عبارة عن سبع ثلجات توزعت على مدار ثلاثة شهور، وحينها لجأت قطعان الغزلان الجائعة إلى القرى، وللأسف بدلا من استضافتها وإطعامها قام البعض بذبحها وأكلها.
عموما، أغلب الشتاءات في فلسطين تأتي معقولة من حيث درجات الحرارة ومعدلات تساقط الأمطار، وحتى في حالات تساقط الثلج، لا يستمر سوى بضعة أيام، وصار الناس يحتاطون لكل شيء، ويتحضرون جيدا للشتاء.
في السنوات الأخيرة، صار فصل الشتاء مقترنا بالسيول والفيضانات والأودية الجارية التي تجرف في طريقها كل شيء، وتكبد الناس خسائر فادحة، ربما كانت مثل هذه الظاهرة متكررة في العقود السالفة، لكننا وبسبب ثورة الإعلام بتنا نراها أكثر، وأشد!
مرت السنوات الثلاث الأخيرة (2023-2026) على أهلنا في قطاع غزة بطعم العلقم، بسبب حرب الإبادة، خاصة في الشتاء، حيث مئات الآلاف من النازحين يقطنون في خيام متآكلة، لا تحميهم من البرد ولا تقيهم من المطر.. وقد توفي العشرات منهم خاصة من الأطفال وكبار السن من شدة البرد، قضوا وحيدين، خائفين يرتجفون بردا، وقهرا.