نشر بتاريخ: 2026/01/25 ( آخر تحديث: 2026/01/25 الساعة: 13:38 )
أكرم عطا الله

هندسة غزة ومأساة حماس ..!

نشر بتاريخ: 2026/01/25 (آخر تحديث: 2026/01/25 الساعة: 13:38)

الكوفية لم يحلم أي فلسطيني في أسوأ كوابيسه أن يطل على المشهد الحاصل ... لا فتح ولا حماس لحكم غزة تماماً كما قرر نتنياهو ... فقد تسلمها الأميركي هو من يخطط ويهندس ويرتب ويتحكم بكل شيء ... لا حول ولا قوة للفصائل التي لم يعد أحد يأخذها على محمل الجد لا من شعبها ولا من العرب ولا ممن يعيدون رسم غزة بعيداً عن قدرها الوطني، وما زالت تلك الفصائل أسيرة زمن المكابرة لأن الحقيقة المرة قاتلة وتعني نهاية مشروع بالنسبة لحماس التي أدارت غزة بمقدماتها الفقيرة وشعاراتها الغنية ونهاياتها الدامية لتنتهي بها إلى هذا المصير.

بلا مقومات حياة تقف غزة في ذروة انكسارها ليس فقط إنسانياً بموت الأحبة بعشرات الآلاف ولا بفقدان أهلها كل مصادر العيش التي تم تدميرها، بل انكسارها السياسي الذي تقف فيه عاجزة وهي ترى أن هناك من يعيد هندستها وفقاً لتصورات، بعيداً عن الهوية الأصلية للمنطقة التي لم تكن تسمح بسقوط الصولجان بعد النكبة ... ها هو يسقط بفعل مغامرة العقل الطفولي الديني الذي أصر على مزاحمة السياسة ليكلفنا هذا الثمن الكبير جداً والذي يحتاج لعقود لإعادة الحياة، ولكن إذا عادت بعد تلك ستعود مشوهة بعيدة عن روحها التي فقدتها بين أنقاض المباني وتحت الركام، فهل للذاكرة أن تنسى كيف نهشت الكلاب لحم الشهداء؟ هذا وغيره سيبقى جرحاً في الذاكرة الأبدية.

هكذا يستنفر العالم لا من أجل حل سياسي أنتجته الحرب بل لجني ثمار هزيمة ألحقت بالفلسطينيين، وبعيداً عن أصحاب الأرض يتم فك وتركيب المكان دون استئذانهم حتى، هكذا تتجلى نتائج الهزائم دوماً، وبعد الإبادة البشرية التي ألحقت بغزة يمكن تلمس فعل الإبادة السياسية الذي يتحقق ورأينا استعراضاً له في دافوس وما تحدث به الصهر كوشنير صاحب مقولة شاطئ غزة الرائع والذي عرض مخططاته التي تتكامل مع نظرة والد الزوجة الريفيرا التي تحدث عنها الرئيس بعد شهر من وصوله للبيت الأبيض، فهل وقعت حماس في الفخ.

الحقيقة أن الإسلاميين هم أكثر الناس بساطة في العمل السياسي وأكثر سطحية في فهم تعقيداته وأكثر براءة في معرفة مكره، ومن السهل خداعهم كما جرى خداعهم واستخدامهم خلال حرب الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان عندما تجندوا وجندوا الدين لصالح حرب السي أي إيه، ومثل السابع من أكتوبر حيث حالة فهم شديدة السطحية للسياسة والسلاح وقبلها، كيف جرى استخدام الحركة لتعزيز الفصل بين الضفة وغزة لقطع الطريق على أي عمل سياسي وفيما كان للإسرائيلي رؤية واستخدامية كان للحركة ما يكفي من الشعارات لإقناع نفسها بجدارة ما فعلته العام 2007، ثم الآن يجري استثمار فعلتها الكبرى لتحقيق المشاريع الكبرى على جثة القضية الفلسطينية.

لا أعرف إذا تبقى بعد الإبادة السياسية ما يمكن قوله أو يمكن أن يشكل روافع يمكن أن يستند إليها الفلسطيني، فهم يهندسون غزة بعيداً عن قواها السياسية كما يحلو لهم تماماً كما يشبه تقسيم سايكس بيكو بعد الحرب العالمية الأولى وتركة الرجل العثماني المريض، والآن تقسيم جثة الفلسطيني المريض لكن المأساة الفلسطينية كعادتها هي أن إسرائيل دوماً تضعها أمام ثنائيات خاسرة وفي معادلات كل نهاياتها تسقط في جيب الإسرائيلي.

هل يجرؤ أي فلسطيني على الاعتراض ؟ فالبديل شديد السواد والتلويح بالحرب واستئناف الإبادة هو الوحيد القائم.

أرأيتم بؤس الحالة التي تجعل حركة حماس ترحب بمجلس أحد أعضائه بنيامين نتنياهو؟

أما المجلس التنفيذي الذي يترأسه الحاكم التنفيذي لغزة نيكولاي ميلادينوف فهو أشد بؤساً حيث يضم رجل الإعمال الإسرائيلي ياكير جاباي ليراقب هندسة غزة بما يتوافق مع متطلبات الأمن القومي الإسرائيلي ولا يملك الفلسطينيون الذين يدفعون من جلودهم أثمان شهوة السلطة وفقر السياسة لبني جلدتهم أي خيار سوى الانسياق لمصيرهم السياسي، هكذا يتوقف التاريخ الفلسطيني مصدراً حكمه على كل الفواعل السياسية التي عاصرت هذه المرحلة وأتخمتها بالشعارات وقفزت لتحقيقها متكئة على فهم قاصر تسبب بزلزال أفقد الغزيين كل شيء.

أزمة حماس أنها لم تعترف حتى اللحظة بفداحة الفعل الذي استدعى تلك الكارثة والتي تتراءى نتائجها بتلك الهزيمة السياسية التي تتطابق مع الهزيمة العسكرية التي لم نكن بحاجة لها، فالفلسطيني لم يكن يحتمل هزيمة واحدة لأن فيها ما يعيده للوراء عقوداً طويلة وهو لا يملك ترف الوقت وترف تعليم السياسة للمبتدئين، وفي عدم اعتراف حماس بالكارثة ما يضع احتمالات صعبة عن جدارتها بالعمل السياسي الجماعي بين الفلسطينيين، فإما أنها منفصلة عن الواقع الفعلي ولديها تصورات بعيدة وهذا شديد الضرر ولا يستوي مع من يريد العمل في حقل السياسة كابنة الواقع، أو إما ترى كل ذلك الخراب وكل تلك الأرواح التي تمت التضحية بها في سبيل تجريب مشروع ديني ولا تعتبرها خسائر تستحق التوقف أمامها وفي هذا استهتار بشعب هو أمانة في أعناق السياسيين حينها يأتي سؤال ائتمان حركة حماس على الشعب.

بكل الظروف تم الاعتراف الذي ينتظره شعب أم لم يتم فاللحظة تجاوزت حماس وغيرها وقد جربت برنامجها ووصل إلى نهايته ولم يعد لدى الفصائل ما تقوله، وتلك هي النهاية الطبيعية لقوى تدير شعبها بخفة وتسلمه لغيرها صاغراً منهزماً، قد تنهزم فصائل عبر التاريخ لكن أن تتسبب بهزيمة سياسية للشعب فتلك هي المأساة!

 

نقلاً عن الأيام...