نشر بتاريخ: 2026/01/05 ( آخر تحديث: 2026/01/05 الساعة: 10:41 )
طلال عوكل

رسائل خطيرة للقرصنة الأميركية

نشر بتاريخ: 2026/01/05 (آخر تحديث: 2026/01/05 الساعة: 10:41)

بينما تتنافس المدن في تقديم أفضل عروض الألعاب النارية، احتفالاً برأس السنة الميلادية، وأملاً في عامٍ جديد أفضل لشعوب الأرض، نجح رئيس أميركا دونالد ترامب في أن يقدّم أعظم العروض التي يستحق عليها دخول موسوعة «غينيس».

تنقّلت القنوات الفضائية، بين عروض الألعاب النارية، ولكن العرض الذي قدّمته الإدارة الأميركية، استحوذ بنسبة 100% على اهتمام وتركيز كلّ وسائل الإعلام المعروفة، وغير المعروفة، وسيطرت على وسائل التواصل الاجتماعي ما يعكس السيطرة الكاملة على المشهد الدولي ليس فقط الإعلامي بل، أيضاً، السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والنفسي.

الولايات المتحدة الأميركية، حشدت ووظّفت كلّ إمكانياتها العسكرية البرّية والجوّية والبحرية، وإمكاناتها التكنولوجية، والاستخبارية في عملية اختطاف «نظيفة»، ما كان لها إلّا أن تنجح أمام تواضع إمكانيات فنزويلا.

لم يسقط أيّ جندي أميركي، ولم تُصب أيّ من الوسائل العسكرية الأميركية، فعملية القرصنة التي تمّ التخطيط لها قبل أشهر تمّت على نحوٍ مباغت لم يترك للخصم الضعيف أيّ إمكانية للمقاومة، أو الوقاية.

هذا هو ترامب، لا يكتفي بالقول وإطلاق التهديدات وإنما يتمتّع بقدرة وجرأة المبادرة للعمل من دون أيّ حسابات تجعله يتردّد.

رسالة أطلقها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في سياق احتفاليته بالعملية الناجحة.

نجاح العملية الأميركية لا يقف عند حدود اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وعقيلته، واقتياده إلى نيويورك في مشهد مُهين، وإنّما يتعدّاه إلى تحقيق أكثر من هدفٍ إستراتيجي في زمن التحوّلات الدولية الكبرى.

عملية التغطية المكثّفة لتبرير العملية، عَبر الحديث عن نظام إرهابي، ورئيس مسؤول عن تهريب أطنان كثيرة من المخدّرات لأميركا، وغزوها من خلال ملايين المهاجرين من نزلاء السجون والمجرمين حسب الادعاءات الأميركية. هذه العملية لا تصمد طويلاً أمام اعترافات ترامب بشأن الأهداف الحقيقية المتمثّلة في:

أوّلاً، أنّ هذه العملية تشكل أوّل عمل نوعي إستراتيجي، في إطار إستراتيجية الأمن القومي الأميركي التي وضعت أميركا اللاتينية على رأس أولويات الأهداف الأميركية، ما يعطي مصداقية لتلك الإستراتيجية.

ثانياً، السيطرة على نفط وثروات هذا البلد الذي يملك احتياطي النفط الأكبر، واستعادة سيطرة الشركات الأميركية على هذا القطاع، استخراجاً، وتجارة ما يمكّن أميركا من تحسين أوضاعها الاقتصادية، ويعزّز دورها في التحكّم بمصادر الطاقة، وتوظيف ذلك في علاقاتها الدولية.

ثالثاً، قطع يد روسيا والصين من العلاقة والاستثمار، واستيراد النفط مع هذا البلد، ما يعزّز دور أميركا في مجال التنافس المحتدم اقتصادياً وتجارياً وحتى عسكرياً، بما يخدم تعزيز دورها في صراعها من أجل المحافظة على مركز المُهيمن على النظام الدولي، وتأخير عملية التحوّل الجارية، وبأنها لا تمزح فيما يتعلّق بمصالحها ومناطق نفوذها.

رابعاً، توجيه رسالة قويّة وجدّية للأنظمة المعارضة لها، خاصة في أميركا اللاتينية التي عليها أن تواجه المصير ذاته، في حال استمرّت في عنادها إزاء متطلّبات السياسة الأميركية فيما تعتبره حديقتها الخلفية.

وربّما تصل هذه الرسالة، أيضاً، إلى كندا التي دعاها ترامب إلى الانضمام إلى بلده، وأيضاً إلى الدانمارك، فيما يتعلّق بجزيرة غرينلاند.

وربّما، أيضاً، تصل هذه الرسالة إلى أبعد من ذلك، حتى وإن كانت الظروف والإمكانيات مختلفة، فإن على إيران أن تتحسّس رأسها، وكذلك الحال «حزب الله» اللبناني، وجماعة «أنصار الله» «الحوثيين» اليمنية، وآخرين في الشرق الأوسط.

التهديد واضح وصريح، فلقد كان ترامب قد هدّد بالتدخّل لحماية المتظاهرين في شوارع المدن الإيرانية، في حال استخدم النظام الإيراني العنف القاتل بحقّهم.

الرسالة تكرّرت على لسان ترامب مرّة أخرى حين أطلق رسالة لكلّ من يهدّد بلده الذين عليهم أن يتعلّموا بأنّهم سيُلاقون نفس المصير الذي تعرّض له مادورو.

وبصرف النظر عن الادّعاءات، والتكهّنات التي تتحدّث عن تعاون داخلي فنزويلي في إنجاح العملية، فإن ترامب أعلن أن بلده هي التي ستقوم بإدارة الأوضاع في فنزويلا.

هذا يعني أنّ ثمّة «مجلس سلام» آخر في فنزويلا، بتخريجات تتحكّم فيها أميركا، سواء عَبر انتخابات مضمونة أو تعيينات، لمرحلة انتقالية قد تطول. لكن العمل الذي قامت به الأخيرة في مخالفة صريحة للقانون الدولي، وتنفيذ القانون الأميركي على الغير، لا يمكن أن يمرّ هكذا من دون آثار جانبية.

إذا كان هذا العمل يشكّل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية فإن ذلك يفتح الباب أمام الصين لاستعادة تايوان، في أقرب وقتٍ، والصين لديها الإمكانيات العسكرية والاقتصادية للنجاح.

كما أن هذه السّابقة قد تدفع روسيا للقضاء على نظام الحكم في أوكرانيا، بالإضافة إلى أنها تقدّم مؤشّراً قويّاً على انهيار النظام الدولي، الذي لم يعد يردع أحداً.