سؤال الوجود
عبد الغني سلامة
سؤال الوجود
في كل صباح، تنهض من فراشك متثاقلاً، تنهي فعالياتك الفسيولوجية المعتادة، تتنقل بين الحمّام والمطبخ وخزانة الملابس كأنك روبوت، تتحرك بجسد مطيع سُرقت روحه.. شيء ما بداخلك يقول لك: أنت أو جزء منك لا يتوافق مع هذا العالم، وأنك لم تختر هذا النمط من الحياة، بل لم تختر هذا العالم أساساً. نداء خفي يعلو على شكل ضجيج، انزعاج غامض، يتحول إلى سؤال كأنه خرج فجأة من مخبئه في أعماق عقلك الباطني: ماذا لو كان كل ما أفعله كل يوم بلا معنى؟ بلا قيمة؟
تخرج إلى عملك وروتينك اليومي، الجميع من حولك يسيرون مثل قطيع موافقين على كل شيء دون اعتراض، بل إنهم مستعجلون.. ينتابك شعور داخلي أنك مختلف، وغير راضٍِ، وأنك تريد شيئا ما؛ شيئا لم تدركه بعد.. مع إحساس شبه متيقن بوجود نقص أو خلل أو خطأ لم تحدد ماهيته بدقة.
مع زحمة الحياة وانغماسك في التفاصيل يختفي ذلك الصوت، لكنه سرعان ما يعود.. أثناء صفنتك، قبيل النوم.. يعود بصوت أعلى.. ذلك السؤال المتكرر ليس مجرد ضجيج ولا هو مرض نفسي، أو رغبة في التفرد والتمرد.. هو أنت بصيغتك الأولى، جوهرك، طبيعتك الأصلية.. هو ميولك وتوجهاتك وشخصيتك، هو استجابة لنداء طالما تجاهلته، مواجهة شيء كنت تخاف من الاقتراب منه.
كيف حصل ذلك؟ ولماذا؟
ما حصل حقيقةً أن حياتك بأكملها رُسمت وصُممت رغما عنك؛ منذ طفولتك والناس من حولك يوجهونك حيث يريدون.. للدراسة، للتخصص، للعمل، للزواج، للإنجاب.. حددوا لك دينك، وأفكارك، وعلاقاتك الاجتماعية، وربما توجهك السياسي.. وكنت تنفذ كل ما يُطلب منك مثل تلميذ نجيب، أقنعوك أنك تريد النجاح وتحقيق الإنجازات وتحطيم الأرقام القياسية، صمموا لك أهدافا معينة؛ أن تكون جزءا من النسيج المجتمعي؛ منتجا ومفيدا ومنضبطا.. كأنك ولدت من أجل كل ذلك، وعليك أن تعيش ضمن هذه الدائرة.
كأنّ الحياة برمتها مسرح معد مسبقا، ولكل شخص دوره المحدد، وممنوع أن تشكك بالنص، ولا بالسيناريو. والعالم من حولك يراقبك، يعدّ عليك أنفاسك، ويمكن أن يعاقبك إذا خرجت عن المسار، ويلومك إذا لم تنجح، ويوبخك إذا لم تنتج، ويشعرك أنك بلا قيمة، وتافه إذا لم تعمل وتشتغل، سينبذك المجتمع إذا تمردت، وإذا قررت أن تعيش حياتك كما يحلو لك.
طوال حياتك وأنت مقتنع أن الراحة كسل، والاستمتاع جريمة، والتأمل مضيعة للوقت، ومعظم الأشياء الحلوة والممتعة حرام.. السينما والأغاني والحفلات والنوم والسهر واللعب يجب أن تكون في آخر القائمة، تفعلها فقط بعد أن تنجز الأشياء المهمة والأساسية، بعد أن تحقق توقعات الآخرين؟
لكن، من الذي قرر أن يكون شكل العالم هكذا؟ من وضع هذه الشروط والقيود؟ من حدد معاني الصح والخطأ؟ من وضع معايير النجاح والفشل؟
العالم منذ القِدم صُمم بطريقة لا تدرب الإنسان على العيش، إنما بطريقة تهيئ الفرد ليكون جزءا من مجتمع كبير متحكم ومهيمن بثقافته وأنماط حياته ووسائل إنتاجه، وقد أعطى لكل فرد دورا محددا، لأن يكون مسننا في دولاب، قطعة من آلة، عليه العمل والإنتاج والجدية بالطريقة المرسومة.
وهكذا، صرت تعرّف عن نفسك من خلال العمل، العمل صار هويتك: تقول أنا مهندس، أنا دكتور، أنا كهربجي، أنا مدير.. بعد أن تفقد عملك ستهتز هويتك، فقد تمت برمجتك على أساس أنك ما تعمل، وليس على أساس أنك ما تشعر وما تتخيل، وما تفكر به، وما تحب، وما تتأمل، وما ترجو، وما تستمتع به.. طالما أنك منتج فأنت موجود ومهم.. أنت مجرد جزء من الموارد الطبيعية (سمّوك موارد بشرية)، جزء من سلسلة توريد، أو مجرد مستهلك، أو ناخب، أو دافع ضرائب.
قد تعيش حياة جدية، وتغرق في تفاصيل الأرقام والبيانات، وتغدو منتجا، وتحوز على شهادات عليا، وعلى جوائز رفيعة، وقد تحقق الشهرة.. لكنك ستظل تشعر بوجود خلل، أو نقص.. تشعر أنّ روحك مجعدة، ومتعبة، وأيامك مكررة، وما عليك سوى مواصلة الركض، لدرجة أنك ستشعر بالذنب حين تستريح، حين تصمت، حين تستيقظ متأخرا، حين يمر عليك يوم دون أن تفعل شيئا مفيدا، وستشعر بالخوف من أشياء كثيرة: من المرض، من الفقر والعوز، من المستقبل، من كلام الناس.
وهكذا سَجَنك المجتمع، ثم أضفت بنفسك جدرانا إضافية، وأحطت عقلك بالقضبان: خوفك، قلقك، خجلك، خشيتك من غضب الآخرين، رغبتك ألا تخيب ظنهم، وخوفك من نفسك، من الفراغ، من الوحدة.. صرت تملأ حياتك بمهام وهمية، ومواعيد أي كلام، واجتماعات لا ضرورة لها.. فقط حتى لا تواجه نفسك.. كي لا تنفرد بذاتك.. لأنك أساسا لم تتعود أن تستمتع وحدك، وأن تعيش لذاتك، ولم تمنح نفسك مساحة خاصة، ولم تختر تخصصك ولا مهنتك ولا نمط حياتك.
قبل أن تُطفأ شعلتك اسأل نفسك بصراحة: هل ما فعلته كان يستحق العناء، هل تضحياتي كانت في المكان الصحيح؟ وهل هي فعلا واجب لا مجال للتنصل منه؟ هل عشت حياة حقيقية، أم كنت تعمل مثل آلة، حتى نسيت نفسك؟
آن الأوان لتدرك أن حياتك التي رسمها لك الآخرون كانت كذبة وخديعة وقد تورطت بها، آن لك أن تقرر أن الحياة شيء مختلف، وأنك شخص مختلف، وعليك أن تحيا كما تريد.. من حقك أن تعيش دون تبرير لأحد، دون إنتاجية، لا تحتاج إذنا من أحد، أن تعيش حرا وملك نفسك فقط، الحرية ليست أن تفعل ما تريد، بل ألا تضطر لفعل شيء لا تريده، وألا تضطر للشرح والتفسير.
من حقك أن تضحك بلا سبب، وأن تبكي أمام الآخرين، وتصرخ لمجرد الصراخ، أن ترفض، أن ترقص وتغني حتى لو كان رقصك مضحكا، وصوتك مزعجا، أن تتأمل حولك دون انتظار إجابات وتفسيرات.. توقف عن تبرير كل شيء، وعن إصدار الأحكام.. ابحث عن نفسك، واكتشف ذاتك وقدراتك وهواياتك، لا تنظر للساعة، لا تنتظر مكالمة، لست مدينا لأحد، اختفي دون إشعار.
تحرر، وانطلق.