اليوم الخميس 21 يونيو 2018م

الصرف بمنطق الحرمان

17:17 - 04 يوليو - 2018
عدلي صادق
الكوفية:

بعد الاجتماع الثلاثي في القاهرة، بحضور ممثلي مصر والأردن وعباس؛ كان متوقعاً أن يخطو الأخير نصف خطوة، في اتجاه الصرف، بواقع ثلث الراتب، لكي لا يصرف شيئاً في المحصلة، سوى صرف الأنظار عن مقاصده النهائية، وعن الحقوق المالية والوظيفية المتأخرة، للناس المستلبة رواتبهم.

قيل إن الصرف سيكون لنصف الراتب بعد تقليصه، وأغلب الظن أن حقله الزمني هو عيد الفطر وشهر رمضان، لكي لا تتبدى الجريمة مهولة كما يحسب عباس ويظن. فهو على أية حال، يتوهم بأن الأمور ستبرد، وأن مصر لديها مداخل لإعادة الهدوء، لكي يعود عباس إلى سيرته الأولى من الكذب والخداع والتظارف السمج. فالرجل لن يتخلى عن مقاصده وسيظل يناور. أما الفصائليون الجامحون البُلهاء، المشغولون بحرب البوستات والتنازع على تبني الشهداء؛ فلم  يرتقوا سنتيمتراً واحداً إلى الأعلى، في اتجاه إحراز أي مستوى من التمثيل للمجتمع المدني الفلسطيني القادر على مخاطبة الأشقاء والأصدقاء!

لقد أصبح واجباً علينا، ملازمة  طرح قضايا العدوان اليومي على شعبنا، من قتل وقنص إرهابي صهيوني، واستيطان، مع قضايا فساد السلطة وأذى الضال الحقود وحوارييه المناطقيين، المعتدين على كل قطاعات اقتصادنا والأموال العامة وحقوق الناس!

عند صرف الـ 50% من الراتب المُقلّص، لا تعليل لسبب خصم الخمسين الأخرى، ولا توضيح ما إذا كان النصف، هو نصف الراتب  في مرحلة ما قبل انكشاف النذالة ، أو في مرحلة النذالة البليغة؟.

نلاحظ أن حكومة الحمد الله، تتعامل مع موظفي غزة وكأنهم طائفة من المتسولين الذين لا يحق لهم أن يعرفوا ماذا تبقى لهم وماذا سيأخذون غداً، وكيف يسددون ديونهم وقد عاشوا ما عاشوه، دون أن يكون لديهم أي دخل. وحكومة الحمد الله تعرف أن الدفعات المجتزأة من الرواتب لا يظل منها بقايا تغطي الحد الأدنى من أكلاف الحياة، بعد سداد أقساط مستحقة.

 لم يعد خافياً، أن غزة هي المستهدفة بكل مجتمعها، بل ربما حماس تكون الأقل استهدافاً على الرغم من الإعلان عنها كسبب للمحاصرة ولما يسميه عباس "العقوبات". فعباس والمتنفذون المناطقيون الذين معه، لهم سياقهم ضد أبناء غزة في الضفة نفسها، إذ وطدوا العزم على إنهاء وجود المناضلين المتحدرين من غزة في السلطة، واقتربوا جداً من تحقيق هدفهم بالكامل،  ولا زالوا يطاردون الذين ولدوا لآباء عاشوا في غزة، أو كانت غزة مسقط روؤسهم، لإقصائهم حتى وإن  كانوا من الموالين. والأمثلة على ذلك موجودة في كل يوم. ومن مثيرات السخرية وهي كثيرة، أن رأس الفساد،  يحتفظ حوله ببعض العناصر من غزة، مثلما كان يفعل "بيتر بوتا" رئيس وزراء جنوب إفريقيا، في ثمانينيات نظام الفصل العنصري. فعندما بلغ النظام هناك نقطة الافتضاح الخطيرة، تعمد استخدام  نفر من ذوي البشرة السوداء، يخصص لهم بعض المقاعد المتقدمة في قاعة الاحتفالات، لكي يصفقوا استحساناً لخطاباته، متهللين كلما أحتد في البذاءة ضد لونهم نفسه، حتى من حيث كونه محض لون، لا علاقة له بالموالاة أو المعارضة. وبالطبع، لم يكن مسموحاً لأي من أؤلئك بأن يحلم بعلو الشأن. ومن المفارقات، أن أحد أعمق الراسخين في الثقافة العنصرية، وهو "دي كلارك" الذي جاء بعد "بيتر بوتا" لم يستطع احتمال تداعيات السلوك الشائن لسلفه الذميم، فبادر الى الإعلان عن الفشل البليغ لسياسة الفصل العنصري ومنهجيتها الرميمة، وبدأ الرجل اتصالاته مع الوطنيين السود، لا مع السود السحيجة.

اليوم، من واجبنا تذكير الحمد الله، أن صرف 50 % من الرواتب، يمثل أحد الشواهد على منهجية الفصل العنصري دون أن يكون هناك اختلاف عنصري في المجتمع الفلسطيني. فالتدرجات البيضاء والسوداء في لون البشرة،  هي واحدة في كل المناطق، ثم إن الحكومة الفلسطينية، هي المسؤولة عن استنكاف العاملين عن عملهم لأنها التي أعطتهم الأمر للاستنكاف تحت طائلة المحاسبة. ثم ينبغي التذكير أيضاً، أن الراتب الكامل نفسه لم يعد يلبي تكاليف المعيشة، فهو أدنى من مخصصات يتلقاها أي لاجيء عربي أو إفريقي، قذف به البحر الى شاطيء أفقر دول أوروبا. وتتوجب الإشارة كذلك، الى أن عباس وحكومته مطالبون بالإجابة عن أسئلة الحقوق المسروقة: ماذا عن الرواتب التي لم تُصرف خلال الشهور الأخيرة؟ وماذا عن الرواتب التي قطعت منذ سنوات، على خلفية آراء، أو لأية أسباب غير دستورية؟ وماذا عن رواتب المتقاعدين، وهي أموالهم المستقطعة منهم أصلاً، واحتبسها السارقون على النحو الذي تدينه محاكم الصومال؟ وماذا عن حقوق الناس في العلاج والسفر والعمل والخدمات.

اليوم وتحت ضغط الجوار العربي، وفي خلفيته أوساط نافذة دولياً وإقليميا؛ يخطو عباس نصف خطوة في اتجاه الصرف، بمنطق اللعبة نفسها. ولن ينال الموظف في غزة، بحساب الأرقام،  سوى ثلث راتب كامل لشهر واحد، وسيستمر الرجل في الكذب قائلاً إن حماس هي المستهدفة، بينما السياق ينم عن منهجية استهداف غزة بفصل سياسي وجغرافي واجتماعي، أدهى من الفصل العنصري. والهدف هو تمرير صفقة  ما، ربما تكون هي الصفقة نفسها التي يتهم عباس الآخرين بها فيما هو يحاول أن يتذاكى!

 

 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
الاستطلاع

ما رأيك بموقع قناة الكوفية الجديد

ممتاز
62.5%
جيد جدا
37.5%
جيد
0%
مقبول
0%
عدد المصوتين 8
انتهت فترة التصويت
تويتر
فيسبوك