اليوم الثلاثاء 22 مايو 2018م

واقع منظمة التحرير شديد الالتباس..!

13:13 - 02 مايو - 2018
أكرم عطا الله
الكوفية:

كثير منا يعتقد مخطئا أنه يمكن إعادة بعث منظمة التحرير الفلسطينية أو عودتها للزمن الجميل، وكثير منا يعتقد أيضا أن كل ما أصاب المنظمة هو خلل بنيوي يتعلق بالهيكلة ويمكن إصلاحه بالإرادة الجمعية للفلسطينيين، وما بين الحلم الجميل واستسهال البناء تقع عقدة المناخات السياسية التي أفرزتها حركة السياسة وحولتها إلى وقائع شديدة السطوع وأوقعت المنظمة في واقع شديد التعقيد  جعلها تتراجع إلى هامش الحياة السياسية الفلسطينية، وهذا ليس برغبة فلسطينية بقدر ما أن الأمر هو نتيجة طبيعية لفقدانها الدور الوظيفي كمؤسسة بعد أن نجحت السلطة الوطنية خلال عملية الطرد المركزي في إبعاد المنظمة.

كُتب الكثير عن هذا التزاحم بين المؤسستين.. المؤسسة الأم والمولود الذي استولى منذ لحظة الولادة على صلاحيات ودور المؤسسة الأكبر محتكرا كل الإمكانيات المالية والبشرية والتمثيلية والخدماتية أيضا.. فما هو الدور الذي تقوم به منظمة التحرير بعد تشكيل السلطة؟.. سؤال ربما يدفعنا للتفكير بجدية أكبر في هذا الواقع الناشيء لدراسة واقع ومستقبل منظمة التحرير التي نشأت في ستينات القرن الماضي لتمثيل الأمل لملايين المطرودين من أرضهم، ولا يزال التاريخ يحتفظ بتلك الصورة التي رفعت فيها جماهير الشعب الفلسطيني سيارة أول رئيس للمنظمة المرحوم أحمد الشقيري في ملعب اليرموك في مدينة غزة.

العودة لمنتصف الستينات ضرورية حيث يتم تكليف المرحوم الشقيري بتأسيس المنظمة المناط بها التحدث باسم الفلسطينيين وتحرير فلسطين، فقد اختزل الشقيري مهمته في إعداد جيش فلسطيني.. هذا الجيش الذي اعتبر أحد أبرز ممكنات القوة لدى المنظمة بالإضافة لمؤسسات أخرى، ولكن الجيش كان عمودها الفقري والوسيلة الأبرز لتحقيق الهدف، وهو المؤسسة التي كانت تتمثل في المجلس الوطني بما يزيد على 40% ومجلس عسكري وتلك حددت هوية المنظمة منذ التأسيس.

لم يعد للمنظمة جيش ولم يعد لها مجلس عسكري وكثير من مؤسساتها اختفت أو تآكلت بفعل مسار السياسة، وأضحت المنظمة أمام واقع شديد الالتباس فهي التي وقعت الاتفاقيات مع إسرائيل فاختفى تلقائيا مصطلح “التحرير” لصالح مصطلح “إقامة الدولة” من خلال التفاوض، وتحول الجيش من جيش يقاتل إسرائيل إلى جيش كجزء من السلطة وظيفته الحفاظ على الاتفاقيات مع اسرائيل.. وفي هذا ما ينبغي أن يحدث تغيرا في الفكر السياسي للمنظمة في إطار التحولات الكبرى التي شهدتها العلاقة مع إسرائيل، من علاقة تتصادم بالسلاح في الكرامة وبيروت إلى علاقة تتفاوض على الطاولة بعيدا عن السلاح، أو كما جاء بنصوص الاتفاق “بعيدا عن العنف”.

كل مؤسسات المنظمة أحيلت لمؤسسات السلطة، بما فيها الأمنية التي كانت تلاحق إسرائيل، تحولت لمؤسسة تتعاطى مع إسرائيل كجار ينبغي التنسيق معه، وكذلك الاتحادات الشعبية، إذن نحن أمام شيء مختلف عن الظروف التي أقيمت المنظمة على أساسها، وهوية مختلفة وفكر سياسي إلى حد ما مختلف وثقافة مختلفة جعلت من المنظمة التي تأسست تختلف إلى حد ما عن المنظمة التي تجتمع أعلى مؤسسة برلمانية لها الآن في رام الله.

منظمة التحرير التي وقعت الاتفاقيات مع إسرائيل وهي التي اعترفت بها، وبالتالي فإن واحدة من أبرز مهمات المنظمة هي الحفاظ على تلك الاتفاقيات وقد حصل ذلك، ومن هنا دفعت المنظمة بما كانت تمتلكه من قوة خشنة وناعمة “الجيش والأمن والإعلام” لدعم الاتفاقيات وتنفيذها، وتلك مهمات كان يجب أن يفهم مبكرا أنها وضعت المنظمة في وضع جديد وواقع أكثر تعقيدا، فالاسم والهوية في تضارب مع الدور الوظيفي الجديد الذي تكفلت به المنظمة.

لذا لم يكن تراجع المنظمة وأفولها يرتبط فقط بالأداء الداخلي بقدر ما أن السياقات التاريخية والتحولات السياسية هي التي جعلت من منظمة التحرير مؤسسة مشتتة بين هويتين ليس من المبالغة بالقول أنهما متضادتان نظريا… هويتان بين زمنين مختلفين، كان للثانية من ممكنات القوة ما يجرد الأولى من كل شيء، أو أن المنظمة سلمت للسلطة طوعا ما لديها، بحيث أن المنظمة هبطت إلى مستوى برنامج السلطة، ومن العبث محاولة الفصل بين البرنامجين أو أن للمنظمة برنامجا مختلفا، وتلك قصة أخرى إذا ما أريد التفكير بضم منظمتي حماس والجهاد للمنظمة، ولا أعرف على ماذا يجري الاتفاق بين الأطراف؟ وعلى ماذا وقعت اتفاقيات الانضمام للمنظمة.

لكن بقيت الصفة التمثيلية، وهي صفة معنوية تحتفظ بها منظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، وإن زاحمت السلطة أيضا في هذا، لكن الإجماع الفلسطيني والعربي على الأقل منذ عام 74 متفق على تلك الصفة باعتبار المنظمة تمثل كل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، ولكن السؤال الذي ينبغي طرحه ونحن نكتب عن تمثيل كل الشعب: ما هو موقع فلسطينيي الـ 48 في المنظمة؟ سؤال جميعنا نتجنب الخوض فيه ونحن وهم أيضا؟

لذا فإن المهمة الوحيدة المتفق عليها للمنظمة هي ما يجب تكريسها، وتلك لها أيضا قوانينها وقيمها التي لا زالت محل خلاف.. كيف يمكن ذلك في واقع يزداد تعقيدا؟ فلو أقيمت الدولة كنا نعرف أين نقف؟ ولو بقي الاحتلال ولم تقم السلطة كانت الرؤية أكثر وضوحا.. لكن الواقع أكثر صعوبة مما نعتقد ويستدعي نقاشا مختلفا، فالمسألة ليست بتلك السهولة التي يجري تداولها كأن اجتماعا قادر على فكفكة الأزمة، بل بحاجة الى بحث أكثر عمقا قادر على فض الاشتباك بين هويتين تتنازعان المنظمة..!

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
الاستطلاع

ما رأيك بموقع قناة الكوفية الجديد

ممتاز
62.5%
جيد جدا
37.5%
جيد
0%
مقبول
0%
عدد المصوتين 8
انتهت فترة التصويت
تويتر
فيسبوك